
الجنيه السوداني: عملة وطنية أم تمرين في الصبر؟
في صباح 18 يونيو 2026، استيقظ المواطن السوداني كعادته، لا ليسأل عن الطقس، ولا عن نتائج المباريات، بل عن السؤال الذي أصبح أكثر إلحاحاً من نشرات الأخبار وأقرب إلى نبض الحياة اليومية: الدولار بكم اليوم؟
فإذا به يجد الدولار يواصل رحلته الصعودية الواثقة، بينما الجنيه السوداني يواصل رحلة البحث عن نفسه في أسواق الصرف. أصبح الدولار نجماً اقتصادياً تتصدر أخباره المجالس ووسائل التواصل، أما الجنيه فقد تحول إلى بطل تراجيدي يشارك في المشهد دون أن يملك حق الكلام.
الريال السعودي، والدرهم الإماراتي، وحتى الجنيه المصري، صاروا يتحركون في السوق بثقة الزائر المكرّم، بينما الجنيه السوداني، صاحب الدار، ينظر إلى المشهد وكأنه ضيف ثقيل جاء دون دعوة.
الحكومة، كعادتها، تؤكد أن الأوضاع “تحت المتابعة”. وهي عبارة مرنة تصلح لكل المواسم الاقتصادية؛ من ارتفاع الأسعار إلى ندرة السلع، ومن تدهور العملة إلى اختفاء الأمل من دفاتر المرتبات.
أما المواطن فقد تجاوز مرحلة القلق، ودخل مرحلة التخصص. صار محللاً اقتصادياً ومراقباً للأسواق وخبيراً في أسعار الصرف دون أن يلتحق بكلية اقتصاد أو يقرأ كتاباً في المالية العامة. يكفي أن يذهب إلى السوق ليكتشف أن راتبه أصبح يشيخ أسرع منه.
في السودان، لم تعد المشكلة في ارتفاع الدولار فحسب، بل في انخفاض الثقة. فالدولار لا يرتفع وحده، وإنما يرتفع عندما تتراجع قدرة الاقتصاد على الإنتاج، وعندما تتسع الفجوة بين ما نستهلكه وما ننتجه، وعندما تصبح طباعة النقود أسهل من صناعة الثروة.
وفي كل مرة يشتعل فيها السوق، يظهر تفسير جديد: المضاربون، السماسرة، الشائعات، أو الظروف العالمية. لكن أحداً لا يريد الاعتراف بأن الاقتصاد يشبه المريض الذي لا يكفي أن نلوم الحمى فيه، بل علينا أن نبحث عن أصل المرض.
فالعملة ليست حبراً على ورق، بل انعكاس لواقع اقتصادي كامل. وعندما يضعف الإنتاج، وتتراجع الصادرات، وتضطرب السياسات، يصبح الجنيه أشبه بجندي يُرسل إلى المعركة بلا سلاح ثم يُسأل لماذا انهزم.
ويبقى المواطن هو الطرف الأكثر انضباطاً في هذه المعادلة. فهو الوحيد الذي يلتزم بالتقشف دون أن يعلن برنامجاً اقتصادياً، ويخفض استهلاكه دون قرار وزاري، ويعيد ترتيب أولوياته كل يوم وفقاً لسعر الدولار الجديد.
أما الجنيه السوداني، فما زال ينتظر من يعيده من خانة الأخبار اليومية إلى خانة الثوابت الوطنية.
وإلى أن يحدث ذلك، سيظل السؤال الاقتصادي الأول في السودان ليس عن النمو ولا الاستثمار ولا الميزانية، بل السؤال الأبسط والأكثر تعبيراً عن الواقع:
“الدولار بكم اليوم؟”.







