
توظيف الذكاء في بناء الوطن
يُروى أن رجلاً جاء إلى الرشيد فقال: إني أستطيع أن أقوم بعمل يعجز عنه جميع الناس. فأخرج علبة مليئة بالإبر، فغرس إحداها في الأرض، ثم أخذ يرميها بسائر الإبر بحيث تشتبك كل إبرة بثقب التي قبلها. فلما انتهى وقف مزهوًا، فأمر الرشيد بضربه مئة سوط وإعطائه مئة دينار. قيل: لماذا؟ قال: أعطيته على حذقه، وضربته لأنه يضيع ذكاءه بما لا يفيد.
أما في السودان، فتُحكى قصة مختلفة: لاحظ لصٌ أن العاملين في شركة “باتا” للأحذية يتركون الأقفال مفتوحة نهارًا، فأتى بأقفال جديدة مطابقة تمامًا، واستبدل الأقفال المفتوحة بها. عند المساء، أغلق العاملون الأقفال الجديدة دون أن ينتبهوا. عاد اللص ليلاً، فتحها بمفاتيحه، سرق المحتويات، وأعاد الأقفال الأصلية إلى أماكنها. صباحًا، فتح العاملون الأقفال بمفاتيحهم الأصلية دون أي كسر، فوجدوا المحل فارغًا. اندهشوا، ولم يفهموا كيف حدثت السرقة دون أثر.
الفرق واضح: الأول أضاع حذقه في عبث، والثاني استثمر ذكاءه لكنه أهدره في الحرام. أما النافع حقًا فهو من يوظف ذكاءه فيما يبني وطنه، لا فيما يزين العبث أو يدمر الأمانة.
توظيف الذكاء في بناء الوطن
ليست المشكلة في نقص الذكاء، بل في غياب توجيهه.
تحويل المواهب الفردية المهدرة إلى قوة جماعية منتجة.
بناء جيل من المخترعين والرياديين بدلًا من توظيف الذكاء في مسارات غير بنّاءة.
خلق آلاف الفرص الوظيفية من براءات الاختراع والمشاريع الصغيرة.
تحويل السودان من مستهلك للأفكار إلى منتج إقليمي للحلول المبتكرة.
ترسيخ ثقافة جديدة: الذكاء بلا إنتاج = هدر، والذكاء مع الإنتاج = سيادة.
يمتلك السودان عقولًا نابغة وشبابًا مبدعًا، لكن كثيرًا من هذه المواهب تتبدد أو تُهاجر أو تُحبس في الأدراج.
الإنتاج والسيادة: تحويل الذكاء إلى قوة وطنية فاعلة
كيف نحول ذكاء السودانيين من طاقة مهدرة إلى قوة منتجة تبني الوطن وتدعم سيادته؟
توصيات
1. إنشاء منصة وطنية للموهوبين تُسجّل وتُصنّف 1000 موهبة سنويًا وفق معايير الجدوى والعائد الوطني.
2. تحويل 50% من براءات الاختراع السودانية إلى نماذج منتجة خلال 3 سنوات عبر صندوق دعم الابتكار.
3. تخصيص 10 ملايين دولار سنويًا لدعم المبادرات المتميزة في قطاعات: الطاقة، الزراعة، المياه، والتصنيع.
4. إلزام الجامعات ومراكز البحث بتقديم تقرير سنوي عن عدد الأفكار التي تحولت إلى مشاريع إنتاجية، وليس مجرد أبحاث.
5. إنشاء جائزة سنوية للذكاء الوطني النافع بقيمة مليون جنيه تُمنح لأفضل مبادرة خدمية وطنية.
ليس الموهوب من يُذهل الناس بذكائه فقط، بل من يُذهلهم بما يصنعه من ذكائه من أجل وطنه. لقد حان الوقت لإعادة توجيه المواهب من الهدر والهجرة إلى قلب مشروع وطني قائم على الإنتاج والابتكار.
السيادة الوطنية القادمة لا تُبنى بالموارد وحدها، بل بذكاء يُستثمر، وموهبة تُوجّه، وابتكار يتحول إلى قيمة مضافة للوطن.







