
سلسلة أشجارٌ هزّت أوتار التاريخ السوداني
الطندب (أو الطنضبة) Capparis decidua شجيرة شوكية صحراوية شديدة القسوة، عُرفت بصلابة خشبها واعوجاج أغصانها، فعبرت من عالم النبات إلى تخوم التاريخ والأسطورة معًا.
التصقت في الذاكرة السودانية الشعبية بسقوط ممالك، وظهور الأوبئة، وصور البطولة في الشعر الشعبي.
وارتبطت بكارثة بيئية عبر أسطورة “العقرب الطيارة” وزوال ملك العنج، وهم الأقوام الذين حكموا أجزاء واسعة من وسط وشمال السودان قبل حلف الفونج والعبدلاب.
وتذكر الروايات أن كائنًا سُمّي “العقرب الطيارة” خرج من أشجار الطندب وأهلكهم.
ومع تطور المعرفة، تبيّن أن هذه “العقرب الطيارة” لم تكن عقربًا في الحقيقة، بل على الأرجح ذبابة التسي تسي Tsetse fly، الناقلة لمرض النوم للإنسان ومرض “النغانا” للحيوان.
وارتبط وجودها بالأشجار الشوكية عمومًا، وبشجر الطندب على وجه الخصوص، حيث تتخذ منه مأوى وبيئة مناسبة للتكاثر.
ويرى بعض الباحثين أن انتشارها الواسع جاء في أعقاب وباء طاعون البقر 1889 في نهاية القرن التاسع عشر (نحو 1889م)، حين قضى على أعداد كبيرة من الماشية، فخف الضغط الرعوي على الغطاء النباتي، وانتشرت الأشجار الشوكية ومنها الطندب، فتهيأت بيئة ملائمة لازدهار الذبابة وتحولها إلى آفة واسعة الأثر، حتى دخلت في الخيال الشعبي كأحد أسباب انهيار العنج.
وبقيت شجرة الطندب حاضرة كذلك في الشعر الشعبي السوداني رمزًا للصلابة والعناد. ففي مرثيتها الشهيرة “الواعي ما بوصو” للشهيد عبد القادر ود حبوبة، الذي قاد ثورة مشهورة ضد الاستعمار الثنائي (البريطاني المصري) في منطقة الحلاوين بالجزيرة عام 1908م، وحُكم عليه بالإعدام شنقًا في سوق مصطفى قرشي، استحضرت الشاعرة رقية بت مسيمس، شقيقة الشهيد، صورة الطندب لتصف ثباته وعدم انكساره أمام الموت، فقالت:
عوج الطنضبة الما بتعدلو النار
درعولو أم خريز العسكر الزنهار
تور بقر الجواميس العليك الرك
يا عقد الحديد للحلبي ما بتنفك
أمك ولدتك ما ولدتم أتنين
تسلم لي يا تلبى البكيل العين
حالف يمين ما بكون بين البين
دقيت الجسر لي متعة الحيين
المصدر:
كتاب “شدرة .. شدرتين .. وغابة”، للدكتور عبد العظيم ميرغني









