سلسلة حكايات من بحر أبيض: حكاية سليمان قِدَيِّم الرجل الذي صار غابة
بقلم : د. عبدالعظيم ميرغني

سلسلة حكايات من بحر أبيض: حكاية سليمان قِدَيِّم الرجل الذي صار غابة
في قرية أبو شاتين، على ضفاف بحر أبيض، وقف رجل اختار أن يجعل من حياته رسالة خضراء.
اسمه سليمان فضل المولى عبد الصادق قِدَيِّم، رجل لم ينتظر تكريمًا، ولم يسعَ إلى شهرة، لكنه قرر ببساطة أن يعيد للأرض ما فقدته.
منذ ستينات القرن الماضي، حين تراجعت الغابات واختفت الأشجار تحت ضغط الاحتطاب في بحر أبيض، بدا المشهد وكأن الطبيعة قد انسحبت بلا رجعة.
لكن سليمان لم يقبل بذلك. رأى في الأرض مسؤولية، لا ذكرى. فبدأ يغرس، ويسقي، ويحمي، دون كلل.
حتى حين نال تكريمًا من الهيئة القومية للغابات في إحدى احتفالات أعياد الشجرة، لم يغيّر ذلك من نهجه شيئًا. استثمر المساعدة البسيطة التي حصل عليها في عربة كارو، جعلها وسيلته لري الأشجار، ومضى يوسع رقعة الخُضرة بصبر لافت.
لم يكن عمله محدودًا بمكان واحد؛ امتدت يده إلى الشوارع، ودور العبادة، والمدارس، والمرافق العامة، وحتى البيوت.
صار لكل زاوية أثر منه، ولكل شجرة حكاية تبدأ به. لم يرَ ما يفعل هواية، بل واجبًا ينسجم مع قناعته الدينية، حيث تبقى الصدقة الجارية أثرًا ممتدًا بعد الرحيل.
بجهده، استعادت الأرض بعضًا من عافيتها، وعادت الأشجار لتروي سيرة حياة كانت على وشك الغياب. قصته تذكير بسيط وعميق في آنٍ واحد: أن الغابة ليست أشجارًا فحسب، بل ذاكرة وهوية وأمل.
وفي سياق أوسع، يلتقي فعله الفردي مع تاريخ طويل من محاولات حماية الغابات في السودان، منذ حجز أول غابة في السودان ببحر أبيض عام 1926.
غير أن ما يميز تجربة سليمان هو أنها لم تصدر عن قرار رسمي، بل عن قناعة فردية صادقة.
سليمان قِدَيِّم ليس مجرد رجل زرع أشجارًا، بل نموذج لإنسان اختار أن يكون أثره حيًا. أراد أن يثبت أن الفرد، مهما كانت إمكانياته محدودة، قادر على أن يصنع فرقًا حقيقياً في حياة الناس.
زرع سليمان ما سيبقى.
تقبل الله جهده صدقة جارية، وجعل أثره حياةً لا تنقطع.








