
امتحانات الشهادة السودانية بين الحلم والواقع
مع انطلاقة امتحانات الشهادة السودانية أول أمس، دخل أكثر من خمسمائة ألف طالب وطالبه إلى حجرات الامتحان وهم يحملون على عاتقهم أكثر من مجرد أسئلة وإجابات ، فهم يحملون كذلك تعب الشهور الماضية، وسهر الليالي الطويلة، والقلق الذي سكن تفاصيل الأيام، إلى جانب أحلام كبيرة تنتظر لحظة العبور.
هذه الأحلام دفع البعض ثمناً لها، فاضطروا إلى الهجرة من الديار والأهل إلى ولايات أخرى من أجل الجلوس للامتحانات، حيث استقبلت ولايتا الخرطوم ونهر النيل أعداداً مقدرة من طلاب دارفور هذا العام .
وقد شهد اليوم الأول زخماً إعلامياً في الداخل والخارج، لارتباطه بقرع جرس البداية، وقرع الجرس تقليد حافظ عليه المسؤولون منذ زمن بعيد. أما بالنسبة للطلاب والأسر، فتتجلى رهبة البداية في اختلاط مشاعر التوتر بالأمل، بينما يقف الطلاب على أعتاب مرحلة فاصلة في حياتهم. وخارج القاعات، تمتد أيادي الأمهات بالدعاء، وترافقهم نظرات الآباء المليئة بالرجاء، وكأن الأسرة كلها تجلس للامتحان، لا الطالب وحده.
هذا العام، لم تكن الامتحانات مجرد اختبار أكاديمي فحسب، بل جاءت محمّلة بظروف استثنائية فرضت نفسها على واقع الطلاب. فبين تحديات الحرب، والنزوح، وعدم الاستقرار، وجد كثير منهم أنفسهم يدرسون في بيئات غير مهيأة، ويقاومون القلق والخوف، ويصنعون من الصبر وسيلتهم للاستمرار، خصوصاً مع تغيير المنهج، وما يتم تداوله في الوسائط حول احتمالية أن تكون هذه آخر امتحانات وفق المنهج القديم.
إذن، لم تعد ورقة الأسئلة هي التحدي الوحيد، بل أصبح الطريق إلى الامتحان ذاته امتحاناً آخر، يتطلب شجاعةً وثباتاً. ومع كل ذلك، جلس الطلاب إلى مقاعدهم متمسكين بأملهم، ومؤمنين بأن التعليم يظل الطريق الأصدق نحو مستقبل أفضل.
بدأت الامتحانات، وبدأ معها فصل جديد من الحكاية… حكاية جيل يكتب مستقبله في ظروف استثنائية، ويؤكد كل يوم أن الأمل لا يُهزم، وأن الطريق إلى الغد، مهما طال، لا بد أن يُمضى.
وهنا، لا بد من تهيئة الأجواء للممتحنين، وتوفير أدنى المقومات لهم أثناء تأديتهم للامتحان، وهي أمور لا أظنها تكلف الكثير. فأبسط ما يمكن تقديمه للطلاب، وهم يجلسون للامتحان في الساعة الثانية ظهراً، هو ماء بارد وكوب عصير يجبر بخاطرهم، ويمنحهم بعض الانتعاش والطاقة. فمن المؤسف أن يطلب أحد الطلاب كوب عصير في بداية الامتحان ولا يجده، وقد حدث ذلك في أحد المراكز الخارجية بمصر.
ولا أدري كيف كان الحال في ولايات السودان المختلفه ، وهنا أذكر تماماً “جرادل” عصير الكركدي المثلج التي كانت تسبق أوراق الامتحان إلى الحجرات في زماننا، وطلاب اليوم أحوج منا إلى مثل هذا الفعل الإنساني البسيط خصوصاً ان زمن الامتحان يأتي في عز الهجير والصيف معاً .
أتمنى ألا تجرفنا الظروف عن هذه التفاصيل الصغيرة ذات الأثر الكبير، فطلابنا يحتاجون أن نظهر لهم مزيداً من الاهتمام.
نبض الورد
اللهم وفق كل الممتحنين،واجبر خواطرهم، إنك على كل شيء قدير.








