مقالات

السودان وازمة الانتماء حين يحاول الدين ملء فراغ السياسة

بقلم : د. الشاذلي عبداللطيف

السودان وازمة الانتماء

حين يحاول الدين ملء فراغ السياسة

في الدول التي تنهكها الصراعات، لا تكون الازمات سياسية فقط، بل تكون في جوهرها ازمات معنى: كيف يرى الناس انفسهم، وهل ما زالوا يؤمنون بانهم ينتمون الى جماعة واحدة. السودان اليوم يقف عند هذا المنعطف الحرج.

في الفتيحاب، احدى ضواحي ام درمان ذات التاريخ العريق في التعليم الديني والحياة المجتمعية، خرجت دعوة الى وحدة الصف من داخل المسجد، لا من منصة سياسية. حيث دعا قائد معركة الكرامة الى نبذ العنصرية والقبلية وخطاب الكراهية، في خطاب يحمل دلالات تتجاوز المناسبة.

ولم يكن المكان تفصيلا عابرا. فالمسجد في الوعي السوداني ليس مجرد فضاء للعبادة، بل هو مجال يعاد فيه تشكيل الضمير الجمعي، وتستعاد فيه فكرة الجماعة. وعندما ينتقل الخطاب السياسي الى هذا الفضاء، فانه يعكس ادراكا بان الازمة تتجاوز السياسة الى ما هو اعمق: ازمة في النسيج الاجتماعي نفسه.

غالبا ما يتم تفسير ما يحدث في السودان بوصفه صراعا على السلطة، لكن الواقع اكثر تعقيدا. فهناك تآكل تدريجي لفكرة الوطن كاطار جامع، حيث تتقدم الهويات الضيقة القبلية والجهوية لتملأ الفراغ. وهذه ليست اشكالا من التنوع، بل تعبير عن انقسام في تصور المجتمع لذاته.

وهذا النمط ليس استثناء سودانيا. ففي مجتمعات ما بعد النزاع، من البوسنة الى العراق، اثبتت التجارب ان انهاء الحرب اسهل بكثير من اعادة بناء الثقة. فالسياسة يمكن ان توقف القتال، لكنها لا تستطيع وحدها اعادة انتاج الشعور بالانتماء.

في مثل هذه اللحظات، يعود الدين ليؤدي دورا مختلفا. ليس فقط كعقيدة، بل كمساحة مشتركة تعيد تعريف العلاقة بين الناس. فهو يقدم لغة اخلاقية جامعة، تتجاوز الانقسامات، وتعيد استحضار فكرة الجماعة. لكن هذا الدور، رغم اهميته، يطرح سؤالا صعبا: هل يمكن للدين ان يوحد مجتمعا تعيد السياسة تقسيمه كل يوم؟

المشكلة لا تكمن في غياب الدعوات الى الوحدة، بل في غياب الشروط التي تجعلها ممكنة. فالوحدة لا تتحقق بالشعارات، بل بالعدالة. ولا تستقر بالكلمات، بل ببناء مؤسسات تضمن المساواة والاعتراف المتبادل.

وفي هذا السياق، لا تصبح الشعارات كافية ما لم تفهم في عمقها:

لا للعنصرية، لانها تختزل الانسان في اصل لا يختاره.

لا للجهوية، لانها تعيد تقسيم الوطن الى مساحات متنازعة.

لا لخطاب الكراهية، لانه لا يعبر فقط عن غضب، بل يصنع واقعا من الانقسام.

لا للحزبية حين تتحول الى اداة لتمزيق الجماعة بدل تنظيمها.

ان التماسك الاجتماعي لا يقوم على الغاء الاختلاف، بل على ادارته. وهو لا يبنى بالخطاب وحده، بل بخلق واقع يشعر فيه الناس بانهم متساوون في الحقوق والفرص.

السودان اليوم لا يواجه فقط ازمة حكم، بل ازمة تصور: هل ما زال من الممكن تخيل هذا البلد كجماعة واحدة؟ ام ان الانقسام اصبح جزءا من تعريفه لنفسه؟

ما يحدث في السودان ليس حالة استثنائية، بل يعكس تحديا عالميا متكررا: كيف يمكن لمجتمعات منقسمة ان تعيد بناء ذاتها دون ان تنهار؟

في النهاية، وحدة النسيج الاجتماعي ليست خيارا سياسيا، بل شرطا لبقاء الدولة نفسها. فالدول لا تسقط فقط بالحروب، بل حين يفقد مجتمعها القدرة على العيش معا.

ولهذا، فان الدعوة اليوم يجب ان تكون اوضح من اي وقت مضى: اعادة بناء الثقة، شد خيوط النسيج الاجتماعي، وتجاوز الانتماءات الضيقة نحو افق وطني جامع. فاما ان ينجح السودان في ذلك، او يترك نفسه للتشظي البطيء.

leader

صحيفة الكترونية تهتم بالشأن السوداني

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى