مقالات

السودان… آن أوان الدولة

بقلم : د. الشاذلي عبداللطيف

السودان… آن أوان الدولة

في بشائر حكومة الأمل، لا يحتاج السودانيون إلى مزيد من الخطاب بقدر حاجتهم إلى عودة المعنى إلى الحكم. فالأوطان لا تنهكها الحروب وحدها، بل ينهكها أيضا طول الانتظار، وتآكل الثقة، وتراجع الإحساس بأن الدولة وجدت لتحمي المواطن لا لتتركه وحيدا أمام الخوف والفوضى وعدم اليقين.

وما جرى في السودان خلال السنوات الأخيرة لا ينبغي أن يقرأ فقط بوصفه أزمة أمنية أو صراعا مسلحا، لأن جوهر المسألة أعمق من ذلك بكثير. لقد كان الأمر، في حقيقته، امتحانا لمعنى الدولة نفسها: كيف تقوم، وكيف تحفظ، وكيف تبقى حين تتكاثر عليها الأزمات وتضيق بها الخيارات. وفي مثل هذه اللحظات لا تنكشف فقط قوة السلاح، بل تنكشف أيضا قوة الفكرة التي تقوم عليها البلاد.

لقد علمتنا التجربة السودانية أن الدولة لا تبنى بالشعارات، ولا تحفظ بالخطب، ولا تستعاد بالتمنيات. الدولة تبنى حين يعود الحكم إلى معناه الصحيح: أمانة لا غنيمة، ومسؤولية لا امتياز، ورسالة لا فرصة عابرة. وحين يختل هذا المعنى، يضعف القانون، وتتراجع المؤسسات، ويصبح المواطن هو أول من يدفع ثمن الاضطراب.

ومن هنا، فإن أكبر ما يجب أن يخرج به السودان من هذه المرحلة ليس فقط تثبيت الأمن أو استعادة السيطرة، بل استعادة الفكرة المؤسسة للدولة. فالأوطان لا يكفي أن تنتصر ميدانيا، بل يجب أن تحسن تحويل الانتصار إلى وعي وطني جديد، وإلى مشروع سياسي ومؤسسي يمنع تكرار أسباب الانهيار.

لقد عرف السودانيون بعضهم بعضا في هذه المحنة، وانكشفت المعادن، واتضحت مواقع الشرف، وتبين من ثبت حين اضطربت البلاد، ومن تقدم حين تراجع آخرون. وهذه المعرفة الوطنية العميقة ينبغي ألا تضيع في زحام اللحظة، بل يجب أن تتحول إلى قاعدة تأسيس جديدة، أكثر نضجا، وأكثر وفاء لفكرة الدولة.

وفي هذا السياق، فإن من أهم دروس هذه المرحلة أن السودان، إذا أراد أن يؤسس استقراره على نحو دائم، لا بد أن يمضي بوضوح نحو دولة ذات مرجعية واحدة، ومؤسسات واحدة، وسلطة قانون واحدة، وجيش واحد للبلاد. فهذا ليس شعارا سياسيا عابرا، بل ضرورة وطنية تفرضها طبيعة الدولة الحديثة، وتؤكدها تجارب الأمم التي أرادت أن تبني استقرارها على قواعد لا تهتز مع تبدل الظروف.

إن وحدة المؤسسة العسكرية ليست مطلبا تنظيميا فحسب، بل هي في جوهرها تعبير عن وحدة السيادة ووحدة القرار الوطني. ولا يتحقق ذلك مع بقاء تعدد الجيوش أو تداخل التشكيلات المسلحة، لأن الدولة لا تقوم إلا على أساس واضح: جيش واحد للبلاد، لا جيوش، ومؤسسة عسكرية واحدة، لا مراكز قوة متفرقة، ومرجعية واحدة تحت راية السودان وحده.

فالدولة لا تستقر بتعدد السلاح، ولا تنهض بتوزع القوة، ولا تحمي هيبتها بكثرة الرايات، بل بوحدة المؤسسة التي تحتكر استخدام القوة في إطار القانون، وتحمل عقيدة وطنية خالصة، لا تنحاز إلا للسودان، ولا تعمل إلا لحماية أرضه وشعبه.

وليس في هذا الانتقال انتقاص من تضحيات أحد، بل هو وفاء لها. لأن الذين حملوا عبء الدفاع عن البلاد في ساعة الخطر، يستحقون أن يكونوا جزءا من لحظة البناء الكبرى، لا أن يبقوا أسرى لضرورات المرحلة. فالوطن لا يشفى بكثرة السلاح، بل بانضباطه تحت راية واحدة، ولا ينهض بكثرة العناوين، بل بمؤسسة واحدة محترفة، تعرف واجبها، وتحفظ الدستور، وتصون الأرض والناس.

إن السودان اليوم أمام لحظة نادرة. لحظة يمكن أن تكون بداية عهد جديد إذا أحسن أهل القرار قراءتها، وأداروها بعقل الدولة لا بعاطفة الظرف. وما بعد الانتصارات لا ينبغي أن يكون زمنا لتوزيع القوة، بل زمنا لإعادتها إلى مركزها الطبيعي داخل مؤسسات الدولة.

وعند هذه النقطة فقط، يمكن للسودان أن يقول بثقة أمام تاريخه وأمام أبنائه: لقد آن أوان الدولة… وجيشها الواحد… ورايتها الواحدة… ومستقبلها الواحد.

leader

صحيفة الكترونية تهتم بالشأن السوداني

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى