مقالات

العدالة المتأخرة… حين يختلف رجال الشرطة حول معنى الإنصاف

بقلم :  د. الشاذلي عبداللطيف

العدالة المتأخرة… حين يختلف رجال الشرطة حول معنى الإنصاف

في كل مؤسسة عريقة لحظات امتحان صعبة، ليس بالسلاح ولا بالميدان، بل بالفكرة والضمير. ومؤسسة الشرطة – بما حملته عبر تاريخها من أعباء الأمن والنظام – ليست استثناءً من ذلك. فاليوم يدور بين رجالها المتقاعدين نقاش عميق حول قضية المعاشات وجبر الضرر، نقاش يبدو في ظاهره خلافاً في الرأي، لكنه في حقيقته بحث صادق عن معنى العدالة.

والعدالة – كما قال الحكماء – ليست كلمة سهلة. فهي الميزان الذي إذا اختل اضطربت النفوس، وإذا استقام هدأت القلوب. ولذلك لم يكن غريباً أن يتباين رأي الضباط حول المعالجات التي أُقرت لبعض المفصولين من الخدمة في سنوات مضت.

ففريق يرى أن تلك المعالجات كانت ضرورة أخلاقية قبل أن تكون قراراً إدارياً. إذ كيف يمكن أن يُترك ضابط قضى ثلاثين عاماً خارج المؤسسة التي أحبها، يحمل آثار قرار لم يكن له فيه رأي ولا اختيار؟ إن جبر الضرر في نظر هؤلاء ليس امتيازاً، بل محاولة متأخرة لإنصاف من انقطعت بهم السبل المهنية في لحظة سياسية عاصفة.

وفي المقابل يبرز رأي آخر لا يقل وجاهة، يرى أن العدالة لا تتحقق بمجرد إنصاف فئة إذا كان ذلك يؤدي إلى اضطراب ميزان الحقوق بين الآخرين. فالمؤسسات النظامية تقوم على قواعد دقيقة من الأقدمية والتدرج والاستحقاق. وإذا قفزت الترقيات قفزاً غير منضبط فقد يشعر بعض من ظلوا في الخدمة لعقود طويلة بأن ميزان العدالة قد اختل.

وهنا يتجلى جوهر المسألة: الخلاف ليس حول مبدأ جبر الضرر، بل حول كيفية تحقيقه دون أن يولد ظلماً جديداً.

إن تجارب الدول التي مرت بظروف سياسية مشابهة تشير إلى حقيقة مهمة، وهي أن معالجة المظالم الوظيفية لا تتم عادة بإعادة عقارب الساعة إلى الوراء – لأن الزمن لا يعود – وإنما تتم عبر آليات تعويضية عادلة تراعي حقوق الجميع في آن واحد.

ومن هنا فإن النقاش الدائر بين ضباط الشرطة اليوم يمكن أن يتحول من حالة جدل إلى فرصة إصلاح مؤسسي حقيقي. فالمؤسسات العظيمة لا تخاف من مراجعة نفسها، بل تزداد قوة عندما تعالج قضاياها بروح الحكمة.

ولعل الخطوة الأكثر حكمة في هذا الاتجاه أن يبادر السيد وزير الداخلية إلى تشكيل لجنة وطنية مستقلة لمراجعة ملف المعاشيين والمفصولين من الشرطة مراجعة شاملة. على أن تضم هذه اللجنة قضاة سابقين وخبراء قانونيين وممثلين للمعاشيين، وأن تُمنح صلاحية وضع معيار قانوني واضح لجبر الضرر يقوم على أسس موضوعية مثل سنوات الخدمة، والرتبة عند انتهاء الخدمة، ومدة الانقطاع عن العمل.

كما يمكن أن تنظر اللجنة في حلول أكثر توازناً، مثل احتساب سنوات خدمة اعتبارية لأغراض المعاش أو اعتماد تعويضات مالية عادلة، بدلاً من القفز غير المنضبط في الرتب، لأن الرتبة في المؤسسات النظامية ليست مجرد درجة مالية، بل هي تاريخ مهني ومسؤولية قيادية.

إن معالجة هذا الملف بحكمة لن تكون مجرد قرار إداري، بل ستكون رسالة أخلاقية عميقة لكل رجل شرطة، في الخدمة أو في المعاش، بأن المؤسسة التي خدمها ما زالت وفية لمبدأ العدالة الذي قامت عليه.

فالشرطة لم تكن يوماً مجرد وظيفة، بل كانت مدرسة للانضباط والواجب. ومن قضى عمره في هذه المدرسة يستحق أن يرى ميزان العدالة قائماً بين زملائه، لا يميل لطرف دون آخر.

وفي نهاية المطاف تبقى الحقيقة التي لا يختلف عليها الحكماء:

العدل ليس أن يأخذ كل إنسان أكثر مما يستحق، بل أن يأخذ كل إنسان حقه دون أن يُنقص حق غيره.

فإذا تحقق ذلك، سكنت النفوس، وبقيت المودة التي صنعتها سنوات الخدمة الطويلة، وبقيت مؤسسة الشرطة كما عرفها الناس دائماً: بيتاً واحداً يجمع أبناءه على العدل قبل النظام.

وذلك – في نهاية المطاف – هو الإنصاف الذي يليق بتاريخها.

leader

صحيفة الكترونية تهتم بالشأن السوداني

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى