الغابات النيلية بين حماية الموارد ودعم الاقتصاد وتعزيز السلام حوار مع مدير غابات النيل الازرق الاتحادية
حوار: د. نوال خضر

الغابات النيلية بين حماية الموارد ودعم الاقتصاد وتعزيز السلام
نرحب بالمبادرات لتشجير القري والمدارس والمؤسسات ونوفر الدعم الفني لها
الرعي الجائر والتعديات الزراعية ابرز مهددات الغابات بالاقليم
تُعد الغابات النيلية من الموارد الطبيعية المهمة في السودان، لما تضطلع به من أدوار بيئية واقتصادية واجتماعية فضلاً عن إسهامها في حماية الأراضي والحد من التدهور البيئي، وتوفير الأخشاب والمنتجات الغابية.
وفي إقليم النيل الأزرق، تكتسب الغابات النيلية أهمية خاصة باعتبارها مورداً اقتصادياً وبيئياً، إلى جانب ارتباطها بالمباشر وحياة المجتمعات المحلية.
في هذه المساحة نلتقي المهندس زراعي حيدر احمد يوسف مدير غابات النيل الأزرق بالهيئة القومية للغابات للحديث عن واقع الغابات النيلية وأهميتها، والتحديات التي تواجهها، وتأثير الظروف الحالية على حمايتها، إلى جانب خطط إعادة التعمير وتطوير المناشير ودور المجتمعات والشباب في حماية الغطاء الغابي.
*بدايةً، ما حدود واختصاصات الغابات الاتحادية في إقليم النيل الأزرق؟

يبتدر المهندس زراعي حيدر احمد يوسف حديثه قائلاً :
نص قرارمجلس الوزراء حسب اتفاق جوبا علي تقسيم الغابات اتحادية وولائية وفق التقسيم الإداري للغابات لتخفيف العبء الاداري والمشاركه الادارية للأقاليم والولايات ولكن ليس تقسيم للغابات كمورد ولكن جعل منها هو القابل للتقسيم .
لكن يجب التفريق بين التقسيم الإداري للغابات وبين ملكيتها. فالغابات الاتحادية هي ملك للهيئة القومية للغابات، ومسجلة ومنشورة في الغازيتة الرسمية لحكومة السودان، وهذا يجعل التصرف فيها أو نزعها أو التنازل عنها أمراً ليس سهلاً، وإنما يخضع لإجراءات قانونية وموافقة مجلس الوزراء بأكمله لفك الحجز الجزئي او الكلي .
وتكمن أهمية تسجيل الغابات اتحادياً في حمايتها من الأطماع في أراضيها، خاصة أن هناك أحياناً أطماعاً في الأراضي الغابية.
أما من ناحية الإدارة فالغابات النيلية والخيران والغابات الجبلية مقسمة إلى قطاعات معروفة، وبأعداد ومساحات محددة، وتدار وفق خطط وبرامج للإدارة المستدامة.
*ما أهمية الغابات النيلية بيئياً واقتصادياً لإقليم النيل الأزرق؟
من الناحية البيئية، الغابات النيلية تتميز بخصوصية كبيرة، لأن أشجارها تستطيع تحمل الغمر لفترات طويلة، تصل إلى ستة أو سبعة أشهر، وهذه ميزة لا تتوافر في كثير من الأشجار الأخرى.
وتسهم هذه الأشجار في حماية الأراضي وامتصاص المياه الزائدة وتحمل فترات الغمر، ولذلك فإن وجود الغابات النيلية يمثل أهمية بيئية كبيرة.
أما من الناحية الاقتصادية فإن استغلال الغابات النيلية في السودان يعود إلى عقود طويلة، فمنذ الثلاثينيات، وفي فترة الإدارة البريطانية، كانت تُدار لتوفير فلنكات السكك الحديدية وبعض الاحتياجات الخشبية الأخرى.
ومنذ الأربعينيات والخمسينيات كانت هناك خطط واضحة للإنتاج، من حيث الكميات والتصنيف التجاري، سواء للأخشاب أو الحطب أو فلنكات السكك الحديدية.
واليوم عاد الطلب على فلنكات السكك الحديدية، خاصة مع مشروعات إعادة تأهيل السكك الحديدية في السودان، وهناك طلبية تقدر بنحو خمسين ألف فلنكة وقد تمت الموافقة هذا الأمر من قبل السيد المدير العام للهيئة.
ونعمل حالياً في الدوائر المنتجة على توفير الأخشاب والأعمدة وغيرها من المنتجات، كما توجد جهود لتوفير احتياجات السكك الحديدية من الفلنكات.
*كم تبلغ مساحة الغابات النيلية في الإقليم؟
الغابات النيلية للأسف ليست ذات مساحات كبيرة، وتبلغ مساحتها حوالي ١٥ الف فدان وهي منتشرة شرق وغرب النيل.
*ما أبرز التحديات التي تواجه الغابات النيلية؟
من أبرز التحديات التعدي على أراضي الغابات، سواء بالتوسع الزراعي أو غيره، وهناك أيضاً بلاغات تتعلق بالتعدي على الغابات النيلية.
ومن المهددات كذلك الرعي الجائر إلى جانب استخدام الأخشاب في توفير الأعلاف للحيوانات، وهذه من المهددات المهمة للغابات.
*إلى أي مدى تسهم الغابات النيلية في تحسين والحفاظ علي النيل من الهدام ؟
دور الغابات النيلية كبير جداً في حياة المجتمعات. والغابات النيلية تمتد من الخرطوم حتى نهاية السودان، ومرتبطة بمناطق كثيرة تعاني من التدهور.
ومنذ الثلاثينيات والأربعينيات، كانت هذه الغابات تحت الإدارة المستدامة، خاصة الأشجار التي تستطيع تحمل الظروف البيئية، وهي تسهم في المحافظة على الأراضي.
ونلاحظ أن الغابات التي تعرضت للقطع ولم تتم إعادة زراعتها تتعرض للتدهور، ولذلك فإن المحافظة على الغابات النيلية وإدارتها بصورة مستدامة أمر في غاية الأهمية.
*هل أثرت الظروف الحالية والحرب على قدرة الإدارة في حماية الموارد والغابات؟
لحسن الحظ، لم يكن التأثير كبيراً جداً على الغابات في الإقليم، وحتى التعديات في المناطق المتأثرة كانت محدودة مقارنة بما حدث في ولايات أخرى.
لكن كانت هناك بعض التعديات والقطع للأشجار، خاصة في المناطق المتأثرة، وقد انعكس ذلك على الإنتاج النهائي، حيث انخفضت كمية الأخشاب عن الكميات المقدرة في الخطة.
*ما خططكم لإعادة تعمير الغابات التي تعرضت للتدهور؟
لحسن الحظ، لا توجد مساحات كبيرة تعرضت للتدهور، لكن الحرب أدت إلى تأخير تنفيذ الخطة لمدة عام او عامين، ونحن الآن في مرحلة مراجعة الخطة.
الإدارة المستدامة تقوم على مبدأ أساسي، وهو أن أي قطاع يتم قطعه في العام نفسه تتم إعادة زراعته، فالقطع مرتبط بالزراعة، وهذه هي الإدارة المستدامة.
الغابة مقسمة إلى قطاعات ذات أعمار مختلفة، وقد يكون عمر الدورة عشرين أو خمسة وعشرين أو ثلاثين عاماً، لكن وجود أعمار مختلفة للقطاعات مع الزراعة السنوية يجعل عملية الإنتاج مستمرة ومستدامة.
*ننتقل إلى المناشير. كم عدد المناشير الموجودة في الإقليم وما واقعها؟
لدينا في الإقليم منشار ثابت في الدمازين، وحالته جيدة والعمل فيه مستمر.
كما لدينا منشار متحرك يعمل وفق خطة القطاع، والغرض منه تقليل الفاقد الناتج عن نقل الأخشاب وتقليل تكلفة التقطيع.
وهناك خطة لاستئناف وتوسيع العمل في بعض الغابات المنتجة بعد الحرب، ونتوقع أن يكون الإنتاج كبيراً، خاصة مع زيادة الطلب على الأخشاب.
*هل توجد خطط لتطوير المناشير ورفع كفاءة الاستفادة من الأخشاب وتقليل الفاقد؟
نعم، وقد قام السيد المدير العام بتكوين إدارة موحدة للمناشير، بحيث أصبحت المناشير الموجودة في القضارف وسنار والنيل الأزرق وغيرها تحت إدارة موحدة.
وهذه الإدارة تضم فنيين يعملون على تطوير المناشير ومراجعتها فنياً وإدارياً بصورة مستمرة.
كما أن للولايات دوراً كبيراً في إنشاء المناشير وإدارة العمل وتسهيل الإجراءات.
*شعار عيد الشجرة هذا العام «دعوة لغرس الأشجار من أجل السلام والإعمار». كيف يمكن ترجمة هذا الشعار عملياً داخل الغابات؟
الإدارة المستدامة لم تتوقف، فعملية الإعمار مستمرة، مع تلبية احتياجات المواطنين وتحقيق التعايش بين المجتمعات والغابة.
نحن نريد أن تعيش المجتمعات مع الغابة وتشعر بأن الغابة حق لها ومورد يعود بالنفع عليها.
وهناك نظام زراعي داخل القطاعات يتيح للمواطنين الاستفادة من المساحات المفتوحة بزراعة بعض المحاصيل بالتزامن مع زراعة الأشجار، وبعد مرور ثلاث أو أربع سنوات، وعندما تنمو الأشجار، ينتقل المزارعون إلى مساحة أخرى.
وهذا النظام يجعل المواطن مرتبطاً بالغابة، ويجعله حريصاً على حمايتها لأنه يستفيد منها.
كما أن مشاركة المجتمعات في عمليات زراعة الغابات يمكن أن توفر دخلاً إضافياً لهم، وبالتالي تصبح حماية الغابة مصلحة مشتركة بين الإدارة والمجتمع.
*ما دور المجتمعات المحلية في حماية الغابات والاستفادة منها بصورة مستدامة؟
إعمار غاباتنا هو سلام مع مجتمعاتنا، وأعتقد أن هذا من أروع الشعارات التي يمكن أن ترفعها الغابات هذا العام.
فالسلام والإعمار لا ينفصلان عن المجتمع، وإذا كان المقصود بالإعمار هو إعادة ما دمرته الحرب من غابات، فهو أيضاً إعمار للعلاقة بين الغابة والمجتمع.
والاهتمام بالبيئة هو اهتمام بالأمن، واهتمام بالسلام، واهتمام بالاقتصاد، واهتمام برفاهية المجتمع وصحته.
الغابات تدخل في كل هذه المجالات.
*ما خططكم لتطوير الغابات والمناشير خلال المرحلة المقبلة؟
لدينا خطة سنوية، ولدينا أيضاً خطة عشرية والخطة هي أساس العمل، نطبقها ونستفيد من التجارب المختلفة ونضيف إليها لتحسين الأداء.
كما أن الزراعة والقطع مرتبطان بالمجتمع والبيئة وبالخطة، وهذه هي الاستدامة.
أما المناشير فهي جزء من القطاع التجاري، وتستفيد من جزء من الإنتاج لتوفير الأخشاب للمناشير المحلية.
والقطاع التجاري يساعد بصورة كبيرة في التنمية، كما أن توفير الأخشاب من المصادر المخصصة يقلل الضغط والقطع من الغابات غير المحجوزة.
وفي الوقت نفسه، نستفيد من القيمة المضافة، لأن دخول الأخشاب إلى المناشير يؤدي إلى تصنيعها وتوفير احتياجات السوق من الأخشاب المنشورة.
*ما رسالتك للمجتمع والشباب في إقليم النيل الأزرق؟
في البداية، أوجه صوت شكر لحكومة إقليم النيل الأزرق لدورها الكبير في تأمين الغابات، فقد كانوا نعم العون ونعم السند للهيئة القومية للغابات، ودورهم كبير ومقدر.
كما أوجه الشكر للمؤسسات والأفراد والخيرين الذين ساهموا في توفيرالاقفاص لحماية الاشجار ، ولأصحاب المشاريع الخاصة الذين شاركوا في هذا العمل بصورة منظمة.
أما الشباب، فلهم دور كبير جداً. ونحن نريد مبادرات شبابية لتشجير المدارس والمؤسسات والطرق.
ولدينا مشروعات كبيرة في شمال الولاية لتشجير قرية كاملة، تشمل تشجير الشوارع والمنازل، ونرحب بأي مشاركة شبابية في هذه المبادرات.
كما أن لدينا استعداداً لتلبية احتياجات الشباب والمجتمع وتوفير الدعم الفني اللازم لإنجاح مشروعات التشجير.
*كلمة أخيرة؟
الكلمة الأخيرة هي الشكر لكل الجهات التي شاركت احتفالات عيد الشجرة ولكل طاقم حكومة اقليم النيل الأزرق ، من الحاكم إلى المحافظين ورؤساء المؤسسات والأفراد.
كما كانت مشاركة القوات المسلحة كبيرة جداً، ونقدر هذا الدور، خاصة في دعم أعمال الزراعة والتشجير وحماية غاباتنا.
ونأمل أن تتواصل هذه المشاركة المجتمعية والرسمية، وأن تكون الغابات جزءاً من عملية السلام والإعمار، وأن يظل المجتمع شريكاً أساسياً في حماية هذا المورد للأجيال القادمة.








