أخبار

تآكل المحميات… تآكل للسيادة

بقلم : د. عبد العظيم ميرغني

تآكل المحميات… تآكل للسيادة

لم تكن عظمة الملوك السودانيين القدماء، ترهاقا وشابكا، الذين حكموا السودان ومصر وفلسطين، وليدة القوة العسكرية فحسب أو الكاريزما الشخصية وحدها، بل كانت ثمرة جلائل أعمالهم في إدارة الأرض وحماية الموارد.

فترهاقا أقام الحواجز والأحزمة البيئية لمواجهة التصحر وزحف الصحراء، وشابكا استبدل الأحكام القضائية بالسجن، بتسخير المساجين لإنشاء الجسور والمنشآت الواقية من فيضانات النيل في مصر.

في تجربتهم، تحولت السلطة من أداة للسيطرة إلى مشروع للبناء، ومن وسيلة حكم إلى منظومة لحماية المجتمع واستدامته.

وفي التاريخ الحديث، برز الرئيس الأمريكي ثيودور روزفلت الذي نقل البيئة من هامش السياسات إلى قلب السيادة الوطنية، وقاد الصراع على الأرض للصالح العام في مواجهة أصحاب المصالح والأغراض الخاصة.

فأنشأ خمس حدائق وطنية، و18 معلمًا وطنيًا، وأكثر من 50 محمية للحياة البرية والطيور، وحمى نحو 230 مليون فدان من الأراضي العامة، فضلًا عن قرابة 150 غابة اتحادية.

وكانت رسالته واضحة: لا تنمية بلا حماية، ولا سيادة مع استنزاف للموارد الطبيعية.

ومن أقواله المأثورة في هذا الشأن: “طالما أن الرئيس هو القيّم والمكلف بأمر الشعب، يتوجب عليه اتخاذ كل ما يلزم من أفعال لأجل تحقيق الصالح العام، ما لم يكن ذلك محظورًا بنص صريح في القانون أو الدستور.

هذا بعكس ما يجري اليوم في السودان؛ من تقلص لشبكة المحميات من نحو 26 محمية وطنية قبل ما يقارب العقد، إلى حدود تقارب النصف.

وتحول أراضٍ محميات طبيعية واسعة إلى مشاريع زراعية واستثمارية، وآخرها محمية جبل الحسانية، بمساحة تقارب 5528 كم².

والأخطر من ذلك أن هذه التحولات جاءت عبر قرارات متفرقة أعادت تشكيل الخريطة البيئية تحت ضغط المصالح، لا منطق الدولة، ولا منطلق رؤية بيئية استراتيجية شاملة.

أما محمية الدندر القومية، فهي تعيش اليوم حالة من الاختناق الحقيقي تحت صراعات إدارية وسياسية مفتوحة، وتعديات متزايدة، تهدد بتحويلها من محمية قومية ذات طابع بيئي إلى ساحة تنازع مصالح.

الخطر الحقيقي لا يكمن في فقدان الأرض فقط، بل في انهيار الفكرة ذاتها.

فعندما تصبح المحميات قابلة لإعادة التفسير والتجزئة والمساومة، تصبح السيادة البيئية نفسها في مهب الريح.

وعندها لا تفقد الدولة محمية فحسب، بل تفقد قدرتها على حماية مستقبلها.

فالدولة التي لا تحمي مواردها الطبيعية، لا تحمي سيادتها على المدى الطويل.

وما يجري في السودان اليوم من تآكل للمحميات، وتوسع على حسابها، وصراع حولها، ليس مجرد خلل إداري… بل إنذار استراتيجي يتجاوز البيئة إلى جوهر الدولة نفسها.

فانبهوا أيها السادة: تآكل المحميات في جوهره هو تآكل للسيادة، قبل أن يكون تآكلًا للأرض.

leader

صحيفة الكترونية تهتم بالشأن السوداني

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى