مقالات

لماذا تتقدّم الأمم؟

بقلم : د. عبد العظيم ميرغني

لماذا تتقدّم الأمم؟

• قال شمس التبريزي مناصحاً تلميذه جلال الدين الرومي حين رآه خارجاً من بلدته باحثاً عن الحكمة والمعرفة:

“ارجع؛ فما تطلبه قد تركته وراءك، كامن فيك، فلا تلتمسه خارج نفسك”.

• وهكذا، لا يختلف الأمر كثيرًا حين نحاول الإجابة عن السؤال المطروح للنقاش في بعض المواقع:

ما هي مسببات وأسباب معاناة وتخلف السودان رغم موارده الهائلة؟

• وفي هذا السياق يُروى أن ديفيد بن غوريون، أول رئيس وزراء لدولة العدو الاسرائيل، سُئل ذات مرة: كيف استطاعت دولتكم أن تتقدّم تجارياً وصناعياً في سنوات قليلة رغم شُح مواردها الطبيعية؟

• لم يتحدث عن معادن، ولا عن نفط، ولا عن أراضٍ خصبة، بل ركّز على عنصر أثبت عبر التاريخ أنه أساس كل نهضة: الإنسان نفسه.

• اختصر رئيس دولة العدو الأمر بعبارة لافتة: «نحن حلمنا أولاً… ثم حققنا ما قال الاقتصاديون إنه مستحيل.»

• وبغض النظر عن الموقف السياسي والأخلاقي، تظل هذه الإجابة مثالاً صارخاً على أن الاستثمار في الإنسان، عبر التعليم والبحث العلمي، قادر على تعويض فقر الموارد الطبيعية.

• فقد جعلت إسرائيل التعليم مشروعاً وطنياً مستمراً، وربطت البحث العلمي بالإنتاج والاقتصاد، لا بالترقي الوظيفي وحده.

• هذه التجربة ليست قصة إعجاب، بل درس واضح: الأمم التي تحسن استخدام عقول أبنائها تتقدم، وتلك التي تهدرها تتخلف مهما كثرت خيراتها.

• المسألة ليست حلماً شاعرياً، بل قراراً عقلياً واعياً؛ أن يُجعل الإنسان هو المورد الأول، وأن يكون التعليم هو الأداة، وأن تُدار الدولة بعقلية ترى المستقبل قبل أن تلامسه.

• وهنا، بلا قصد، يضعنا السؤال أمام مرآة السودان: نملك الأرض، والماء، والإنسان، لكننا نتساءل دائماً: لماذا لا نتقدّم؟ وقلّما نسأل السؤال الأصعب: كيف نفكّر نحن؟ وكيف نرتّب أولوياتنا؟

• ولأن الأسئلة الكبيرة تُفهم أحياناً عبر أمثلة صغيرة، دعونا نقترب من نموذج يبدو محدوداً لكنه كاشف: الغابات.

• قبل سنوات، أجرى مركز الساحل للمعلومات والتدريب الغابي استطلاعاً وسط قيادات العمل الغابي في السودان حول محاور النهضة الغابية.

• جاءت النتائج لافتة: 33% للاستراتيجيات ونظم العمل، 32% للموارد البشرية، 30% للموارد المالية، مقابل 4% فقط لرجاحة السلوك و1% لوضوح الرؤية.

• غير أن الخلل لم يكن في الأرقام، بل في ترتيب الأولويات، فعند مقارنتها بتجارب عالمية، يظهر أن الترتيب الصحيح للنهضة يبدأ من رجاحة السلوك قبل أي شيء آخر.

• فبدون سلوك مهني منضبط وأمانة في القرار واحترام للوقت والمسؤولية، تصبح أفضل الخطط حبراً على ورق.

• ومن رجاحة السلوك تنبثق الحاجة إلى وضوح الرؤية والمهام، ثم تأتي الاستراتيجيات ونظم العمل، ثم الموارد البشرية، وأخيراً الموارد المالية.

• وهنا تظهر المفارقة المؤلمة: نضع المال والناس قبل العقل والسلوك والرؤية، ثم نستغرب لماذا لا تنجح الخطط ولا تستقيم المؤسسات.

• فالغابات، بهذا المعنى، لم تكن قضية بيئية، بل تحدياً ذهنياً في طريقة تفكيرنا وإدارتنا لها.

• لكن هذا الخلل لم يكن دائماً جزءاً من تاريخنا. وهنا تحضرنا حكاية يرويها الدكتور جعفر ميرغني، كذاكرة اجتماعية حيّة:

المدن السودانية الكبرى لم تنشأ حول الأسواق أو السلطة، بل حول نار العلم ونار الكرم.

• كان الشيخ، أو “الفَقير”، يخرج إلى الخلاء، يحفر بئراً، ويشعل ناراً للعلم وناراً للضيف. تأتي الناس، فتقوم القرية، ثم المدينة.

• لم تكن المدرسة مكاناً للتلقين فقط، بل: مأوى للمسافر، محكمة عرفية، مركز إصلاح اجتماعي، ضامناً للسلام الأهلي.

• وكان المعلم أميراً على المال، يدير موارده، ويوجه مجتمعه، ويصنع عمراناً.

• ثم يسأل جعفر ميرغني، وكأنه يتحسّر: ماذا حدث؟ حدث أن جرّدنا المعلم من دوره، والعلم من رسالته، والمؤسسة من روحها. صار التعليم وظيفة لا قيادة، وصار العلم معلومة لا قوة تغيير.

• ويبرز هنا درس مهم: المشكلة ليست في الموارد، بل في العقلية والسلوك وطريقة إدارة الإنسان لما يملك.

• رئيس وزراء العدو تحدث عن الحلم، واستطلاع الغابات كشف الخلل في ترتيب العقل، وجعفر ميرغني يعيدنا إلى زمن كان فيه التعليم والقيم الإنسانية أساس بناء المجتمع.

• ومن هذا المدخل الذهني يمكن فهم تجربة اليابان كما طرحها تركي الحمد في من هنا تبدأ النهضة؛ فهي دولة فقيرة في مواردها الطبيعية، لكنها تحولت – عبر إعادة تشكيل ذهنيتها وموروثاتها الثقافية بما يلائم عقل العصر – إلى قوة صناعية واقتصادية كبرى.

• لم تلغِ تراثها، بل أبقته شكلاً وأعادت شحنه بمضمون جديد؛ فتحوّل الولاء للإمبراطور إلى ولاء للوطن.

• والتفاني في خدمة السيد إلى تفانٍ في خدمة الإنتاج. وهكذا بقيت قيم «الولاء» و«التفاني» ثابتة في الشكل، متجددة في المضمون.

• وفي النهاية، سؤال السودان الحقيقي ليس: ماذا نملك؟ بل: كيف نفكّر؟ وبأي عقل ندير ما نملك؟

• وهو المعنى نفسه الذي قررته الآية القرآنية بوضوح بالغ: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا۟ مَا بِأَنفُسِهِمْ﴾ الرعد: 11.

• وحين نصل إلى إجابة صادقة عن هذا السؤال، سينهض السودان بكلياته.

آمالي في حسن الخلاص؛ وتقديري العميق.

 

leader

صحيفة الكترونية تهتم بالشأن السوداني

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى