مقالات

المسكيت … ضحية التعميم وسوء الإدارة

بقلم : د. عبد العظيم ميرغني

المسكيت … ضحية التعميم وسوء الإدارة

• في السودان، قلّما وجدت شجرة انقسم الناس حولها كما انقسموا حول المسكيت.

• فهي، في نظر البعض، لعنة بيئية يجب اقتلاعها من الجذور، وفي نظر آخرين نعمة صحراوية منحت الحياة لأرض أنهكها الجفاف.

• وبين اللعنة والنعمة، ضاعت الحقيقة، وتحول المسكيت المسكين إلى متهم دائم.

• بدأت القصة بعيداً عن السودان، من الهند، حين استُجلب المسكيت إليها خلال الفترة 1876–1877م لمواجهة الجفاف والتصحر، وسرعان ما أصبح نجم السياسات الغابية هناك.

• أحبّه العلماء، واحتفى به الأهالي، وأطلقوا عليه ألقاباً مثل “الشجرة المعجزة” و”الطفل النباتي المدلل”.

• ولم يكن ذلك من فراغ؛ فقد نما بسرعة، وتحمل أقسى الظروف، وثبّت الرمال، ووفّر الأخشاب، وأنتج علفاً للحيوان بأقل قدر من العناية والتكلفة.

• وعبر الخبرات الهندية التي استندت إليها الإدارة البريطانية في السودان، وصل المسكيت إلى البلاد نحو عام 1917م، حاملاً وعوداً كبيرة:

مكافحة التصحر، وحماية الطرق والمشروعات الزراعية، وتوفير مصدر للطاقة في البيئات الجافة.

• لكن كثيراً من الكوارث تبدأ بنوايا حسنة.

• فما دخل بوصفه حلاً، خرج عن الدور المرسوم له في بعض المناطق. تمددت بعض أنواعه، لكن ليس كل مسكيت غازياً شرساً.

• فقد كان النوع الذي خرج عن السيطرة هو الذي غزا الحقول والمراعي، ونافس النباتات المحلية على الماء والغذاء. ومع ذلك، هل الشجرة وحدها هي المذنبة؟

• المسكيت لا يخطط لغزو الأراضي، ولا يتحرك بإرادته. لقد نما حيث وُجدت الظروف المناسبة، بينما تأخر التدخل، وضعفت المتابعة، وغابت الإدارة الحاسمة.

• وظل كثيرون يتفرجون عليه وهو ينمو يوماً بعد يوم، وأسبوعاً بعد أسبوع، وشهراً بعد شهر، وسنة بعد سنة، حتى اشتد عوده، واستوى على سوقه، وغزا أخصب الأراضي الزراعية.

• ولذلك يرى بعض الباحثين أن المشكلة ليست في الشجرة وحدها، وإنما في ضعف المتابعة، وتأخر التدخل، وغياب الإدارة الرشيدة.

• ومن الظلم أيضاً أن نحاكم جميع أنواع المسكيت بالحكم نفسه؛ ولهذا فإن الدعوات المطلقة إلى الإبادة الشاملة أو التقديس الكامل تتجاهل أبسط الحقائق العلمية: اختلاف الأنواع، واختلاف البيئات، واختلاف النتائج.

• ولعل المسكيت أصبح درساً بليغاً في خطورة التعميم؛ فما يُعد تهديداً في طوكر وحلفا، حيث تتعرض المشروعات المروية للغزو، قد يمثل فرصة في مناطق صحراوية بالشمالية أو النيل الأبيض أو شمال كردفان أو البحر الأحمر، حيث يوفر الوقود، ويكبح زحف الرمال، ويحمي الطرق والمساكن والآثار.

• إن القضايا البيئية الكبرى لا تُدار بالشعارات، ولا تُحسم بالغضب أو الانفعال، بل بالعلم، والتدخل المبكر، والإدارة الرشيدة. فالحلول التي تُترك بلا متابعة قد تتحول إلى أزمات، والموارد التي تُساء إدارتها قد تصبح عبئاً ثقيلاً.

• المسكيت ليس ملاكاً بريئاً، وليس شيطاناً مطلقاً.

• إنه شجرة رفعتها السياسات يوماً إلى مرتبة البطل، ثم أعادتها يوماً آخر إلى قفص الاتهام.

• وبين البطولة والإدانة، يبقى “المسكيت المسكين” شاهداً على حقيقة مؤلمة:

• ليست المشكلة دائماً في الشجرة، بل كثيراً ما تكون في الطريقة التي أدار بها البشر علاقتهم بها.

• فبسوء الإدارة تتحول النعمة إلى نقمة، ويتحول الحل إلى أزمة، وتصبح شجرة واحدة… قضية وطنية لا تنتهي.

leader

صحيفة الكترونية تهتم بالشأن السوداني

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى