مقالات

خرافة “تابوت العهد” في الخرطوم: القصة الحقيقية لغابة السنط وإرثها الكوشي الأصيل

بقلم : د. طلعت دفع الله عبد الماجد

خرافة “تابوت العهد” في الخرطوم: القصة الحقيقية لغابة السنط وإرثها الكوشي الأصيل

انتشرت مؤخراً بعض المنشورات التي تحاول ربط غابة السنط في الخرطوم بمخططات يهودية توراتية مزعومة، مدعية أن الاستعمار البريطاني سعى للسيطرة عليها لاعتبارات دينية تتعلق بـ “تابوت العهد”. وفي الحقيقة، هذا المنشور هو نموذج كلاسيكي لـ “نظريات المؤامرة” المختلقة، حيث يعتمد على دمج معلومة دينية صحيحة (ذكر خشب السنط في التوراة) مع سلسلة طويلة من الأكاذيب والتواريخ المزيفة.

أولاً: تزييف التواريخ والشخصيات

رسالة اللورد كتشنر عام 1917: يزعم المنشور وجود مراسلات لكتشنر في عام 1917، وهذا مستحيل تاريخياً! اللورد كتشنر تُوفي في 5 يونيو 1916 إثر غرق سفينته (إتش إم إس هامبشاير) خلال الحرب العالمية الأولى، فكيف يكتب رسالة بعد وفاته بعام كامل؟

تقرير عالم النبات جورج كينغ عام 1913: يدعي المنشور أن هذا العالم قدم تقريراً عن غابة السنط عام 1913. الحقيقة الموثقة هي أن السير “جورج كينغ” توفي في 12 فبراير 1909، وعلاوة على ذلك، كانت إدارة ومجال عمله الأساسي في الهند (الحديقة النباتية في كالكوتا) وليس السودان.

ثانياً: الوثائق والمؤسسات الوهمية

المؤسسات: لا يوجد كيان رسمي باسم “المعهد البريطاني للدراسات الشرقية” أصدر دراسة عام 1945 تتحدث عن الخرطوم والرموز التوراتية.

الوثائق البريطانية: الرمز الأرشيفي المذكور (CO 537) يخص بالفعل سجلات “مكتب المستعمرات” في الأرشيف الوطني البريطاني، لكن أصحاب الشائعات يتعمدون حشر رموز أرشيفية حقيقية بجوار اقتباسات مؤلفة بالكامل (مثل خطة السودان الجيواستراتيجية 1921) لإرهاب القارئ البسيط وإقناعه بأن المعلومة سرية وموثقة.

ثالثاً: حقيقة شجر السنط وغابة الخرطوم

صحيح أن خشب السنط (الأكاسيا) استُخدم في صنع “تابوت العهد” وفقاً للعهد القديم، لكن شجر السنط هو من أكثر الأشجار انتشاراً في كل إفريقيا، ومصر، وصحراء سيناء، والجزيرة العربية. لا يوجد أي تميز حصري لسنط الخرطوم يجعله “مركزاً توراتياً”. غابة السنط في الخرطوم حجزت كمحمية طبيعية منذ بدايات القرن العشرين لأسباب بيئية بحتة: كسر حدة فيضانات النيل، حماية التربة من الانجراف، وتوفير مصدات رياح للمدينة.

إن القيمة الحقيقية لشجرة السنط النيلية (Acacia nilotica) وغاباتها لا تكمن في أساطير المؤامرة، بل في دورها البيئي والاقتصادي والثقافي الضارب في عمق التاريخ السوداني ووادي النيل.

تنمو هذه الأشجار على ضفاف الأنهار الدائمة والموسمية مشكلة أحزمة خضراء طبيعية تحمي ضفاف الأنهار من التآكل، وتكسر حدة الفيضانات، وتثبت التربة. تاريخياً، لعبت شجرة السنط دوراً مفصلياً في نهضة الحضارات القديمة، وعلى رأسها حضارة مروي (عاصمة مملكة كوش)؛ فقد كشفت الدراسات الأثرية الحديثة أن أفران صهر الحديد المروية اعتمدت بشكل شبه حصري (بنسبة تفوق 86%) على فحم خشب السنط النيلي الذي وفر درجات الحرارة العالية اللازمة لصناعة الحديد، مما جعل مروي تُعرف بـ “برمنغهام إفريقيا القديمة”.

وخشب السنط معروف بصلابته ومقاومته العالية، ويُستخدم حتى اليوم في البناء وصناعة الأثاث وعوارض السكك الحديدية، كما تُستخدم ثماره (القرض) في إنتاج مواد دباغة عالية الجودة تتفوق على الكيماويات في المتانة والسلامة البيئية.

السنط في الوجدان الحضاري القديم

ومن المفيد التذكير بأن شجرة السنط ليست غريبة عن الوجدان الحضاري لوادي النيل، بل لها حضور رمزي وعملي عريق في البيئات السودانية والمصرية القديمة. فشجرتا “السنط” و”الجميز” عُدّتا من الأشجار المقدسة وذات الدلالة الرمزية العميقة في الحضارات التي حكمت وادي النيل (السودان ومصر) في الفترة من 720 إلى 600 قبل الميلاد. وقد انعكس هذا الحضور الثقافي البارز في العديد من الأعمال الأدبية التي تناولت التاريخ الكوشي، مثل رواية “الفرعون الأسود” (Le Pharaon Noir) لعالم المصريات والروائي الفرنسي كريستيان جاك، والتي تحكي قصة الملك الكوشي بعانخي (بيي). حيث استحضرت الرواية هاتين الشجرتين كجزء أصيل من البيئة والثقافة والحروب في تلك الحقبة، مما يؤكد تجذر مكانتهما في المخيلة الحضارية المحلية.

الخطر الحقيقي: معركة الوعي والسيادة البيئية

إن الخطر الحقيقي الذي يهدد غابة السنط اليوم ليس مؤامرة أجنبية خفية تعود لقرن مضى، بل هو التعدي العمراني الجائر، وتجاهل القوانين البيئية التي تحمي الغابات المحجوزة. بصفتها “رئة الخرطوم” الطبيعية ومصدها الأول ضد الفيضانات، فإن تدهورها يعني خسارة بيئية كارثية للعاصمة. لذا، بدلاً من الانشغال بمحاربة طواحين الهواء ونظريات المؤامرة، يجب أن تتوجه طاقاتنا نحو تفعيل قوانين حماية البيئة والغابات في السودان، وتعبئة الجهود الوطنية لإنقاذ هذا الإرث الطبيعي. حماية غابة السنط هي معركة وعي وطني وسيادة بيئية بالدرجة الأولى، تتطلب تكاتف الجهات الرسمية والمجتمعية للحفاظ على ما تبقى من تاريخنا البيئي.

بناءً على ذلك، فإن حماية غابة السنط اليوم، والاعتزاز بها، ليست حماية لرمز توراتي مزعوم أو استسلاماً لمشروع صهيوني خفي، بل هي حماية لتراث سوداني أصيل، ورئة بيئية حيوية للخرطوم، وشاهد تاريخي وثقافي على عظمة الحضارات الكوشية التي طوعت مواردها الطبيعية لبناء أمجادها. الدفاع عن غابة السنط ينبغي أن ينطلق من قيمتها البيئية والوطنية، لا من السجالات القائمة على منشورات مضللة.

leader

صحيفة الكترونية تهتم بالشأن السوداني

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى