مقالات

واقع تحديات تأهيل وتشغيل المهندسين الزراعيين في السودان: رؤية استراتيجية مؤسسية في ظل واقع ميداني مختل

بقلم : د. محمد صلاح علي الفكي

 

واقع تحديات تأهيل وتشغيل المهندسين الزراعيين في السودان: رؤية استراتيجية مؤسسية في ظل واقع ميداني مختل

في الوقت الذي يواجه فيه السودان أزمات اقتصادية وتنموية متراكمة، تبقى الزراعة – بما تمثله من مورد استراتيجي – ركيزة أساسية لأي مشروع نهضوي وطني. غير أن المفارقة الكبرى تكمن في أن خريجي كليات الزراعة، وهم رأس المال البشري لهذه النهضة، يجدون أنفسهم مهمشين بلا فرص عمل حقيقية. في هذا السياق، دار نقاش عميق ومؤلم مع البروفيسور الريح النعيم الحاج الخليفة، رئيس قسم الاقتصاد والتنمية الريفية بجامعة أم درمان الإسلامية، حول مبادرة لتأهيل المهندسين الزراعيين وصقل مهاراتهم عبر التدريب العملي والتصنيف المهني، ولكن كان الرد صريحًا ومعبرًا عن جرح قديم جديد.

طرحت على البروفيسور مشروعًا طموحًا يهدف إلى إعادة تأهيل المهندسين الزراعيين السودانيين من خلال التدريب العملي، ومنحهم تراخيص مزاولة المهنة بناءً على امتحانات معايير مهنية، وتصنيفهم إلى محترفين واستشاريين. غير أنه، وبحسه العميق بالواقع، عبر عن خيبة أمل عميقة، مشيرًا إلى أن خريجي كليات الزراعة لا يجدون حتى الحد الأدنى من فرص العمل، ناهيك عن برامج التأهيل. قال لي بأسى: “دعهم أولاً يجدون وظائف، فالخبرات تأتي لاحقًا. منذ السبعينات، وأزمة توظيف خريجي الزراعة قائمة. بلد زراعي مثل السودان يجب أن يكون حاضنًا لهؤلاء، لا طاردًا لهم.”

وأشار إلى واقع مرير دفع بالعديد من الخريجين للعمل في مجالات لا تمت بصلة لتخصصهم، في حين كان المزارعون في مشاريع مثل الجزيرة يطبقون بأنفسهم ما توصي به مراكز البحوث الزراعية، ويكتسبون خبرات عملية متراكمة من بيئة العمل ذاتها. ولم تخلُ الجلسة من طرافة ذات مغزى، حيث روى البروفيسور موقفًا لطالب من أبناء المزارعين تأخر عن الدراسة، ولما سأل زملاءه عن تقدمهم، أجابوه مازحين بأنهم درسوا “التقنت، وأبوعشرة، وأبوعشرين”، في إشارة إلى أدوات ومبيدات زراعية، فرد قائلًا: “كان كده نادوني مع الدقاقة!” وهي طرفة تُخفي خلفها مرارة واقع الانفصال بين التعليم الزراعي والتطبيق الميداني. إننا لا نعيش أزمة تعليم زراعي فحسب، بل أزمة رؤية تنموية غائبة عن التخطيط الاستراتيجي.

القطاع الزراعي في السودان: إمكانيات واعدة وتحديات قائمة

يظل القطاع الزراعي الرافعة الحقيقية للاقتصاد السوداني، حيث يعمل فيه نحو 80% من القوة العاملة، ويسهم بنسبة 32.7% من الناتج المحلي الإجمالي (البنك الدولي، 2021). يمتلك السودان أكثر من 200 مليون فدان صالحة للزراعة، لا يُستغل منها سوى حوالي 39 مليون فدان (وزارة الزراعة، 2025)، أي أقل من 20% من المساحة الصالحة. هذه الأرقام تعكس فجوة هائلة بين الإمكانات والاستغلال الفعلي.

لكن التحديات كبيرة. تشير تقديرات وزارة الزراعة (2025) إلى أن خسائر القطاع جراء الحرب تجاوزت 100 مليار دولار، مع تدمير ممنهج طال 1470 كسرًا في قنوات مشروع الجزيرة وحدها، ونهب مخازن التقاوي والآليات الزراعية. يعاني القطاع من ضعف التمويل، حيث انخفضت حصة الزراعة من إجمالي القروض المصرفية إلى أقل من 5% مقارنة بنحو 15% قبل الحرب. ويعتمد أكثر من 85% من الأراضي المزروعة على الزراعة المطرية، مما يجعل الإنتاج عرضة للتقلبات المناخية والجفاف والفيضانات (دراسة وزارية، 2025).

إن استمرار هذا الخلل دون تدخل هيكلي منظم سيؤدي إلى اتساع الفجوة بين الموارد والنتائج، مما يفرض الانتقال إلى برنامج إصلاحي متكامل.

توصيات متكاملة مع مؤشرات قياس

أولاً: الإصلاح المؤسسي وسياسات التشغيل – إنشاء جهاز قومي للتشغيل الزراعي، وصندوق لدعم توظيف الخريجين في القطاع الخاص، وإعادة هيكلة البنك الزراعي. مؤشرات القياس: رفع نسبة التمويل الزراعي إلى 15% خلال 5 سنوات، توظيف 10 آلاف مهندس زراعي.

ثانياً: الزراعة الذكية والتقانات الحديثة – إدخال أصناف محسنة مقاومة للجفاف، واستعمال نظم الري الذكية، وإنشاء مصانع محلية لتحسين البذور، وتوظيف التحول الرقمي في الإرشاد الزراعي عبر تطبيقات الهواتف الذكية والاستشعار عن بعد. مؤشرات القياس: زيادة المساحات المستغلة إلى 50 مليون فدان، رفع إنتاجية الفدان 20%.

ثالثاً: بناء الشراكات وجذب الاستثمارات – تعميم نموذج شراكة مجموعة دال والشركة العالمية القابضة (استثمار 225 مليون دولار، 5000 فرصة عمل) مع إلزام المشاريع الكبرى بتوظيف مهندسين سودانيين. مؤشرات القياس: جذب 5 مليارات دولار استثمارات، زيادة الصادرات الزراعية إلى 16 مليار دولار سنويًا بحلول 2031.

رابعاً: التأهيل المهني والتدريب المستمر – تطوير برامج تدريب عملي بالتعاون مع المشاريع الكبرى، وإنشاء حاضنات أعمال زراعية، ونظام للترخيص والتصنيف المهني بالتوازي مع التوفيق. مؤشرات القياس: تدريب 15 ألف مهندس، إنشاء 10 حاضنات أعمال.

خامساً: معالجة تحديات الإنتاج والتسويق – إنشاء بنية تحتية للتخزين والنقل، وتطوير نظم التسويق للاستفادة من الفائض الإنتاجي (6.6 ملايين طن حبوب، 2025). مؤشرات القياس: رفع الطاقة التخزينية 50%، تقليل الفاقد إلى أقل من 10%.

مخاطر التنفيذ المحتملة – أبرز المخاطر تتمثل في استمرار عدم الاستقرار السياسي، وشح التمويل الحكومي، ومقاومة البيروقراطية للتغيير، وضعف التنسيق بين المؤسسات، إضافة إلى المخاطر المناخية المتزايدة (الجفاف، السيول، التصحر) التي تهدد استدامة الإنتاج. يمكن مواجهتها ببناء توافق وطني حول البرنامج، وتنويع مصادر التمويل (شراكات دولية، صناديق سيادية)، وإنشاء وحدة تنفيذ مركزية ذات صلاحيات واسعة، ودمج أنظمة الإنذار المبكر والتأمين الزراعي.

التكلفة التقديرية والعائد المتوقع

التكلفة التقديرية للبرنامج الوطني على 5 سنوات تبلغ نحو 4.5 مليار دولار. العائد المتوقع يتمثل في زيادة الصادرات الزراعية من نحو 5 مليارات دولار حاليًا إلى 16 مليارًا بحلول 2031، وتوفير 150 ألف فرصة عمل جديدة، وخفض فاتورة استيراد الغذاء التي تبلغ حوالي 1.6 مليار دولار سنويًا. العائد على الاستثمار (ROI) يتجاوز 250% على مدى 5 سنوات. كما يمتلك السودان فرصة استراتيجية ليصبح سلة غذاء إقليمية لدول الجوار.

إن قصة المهندس الزراعي السوداني ليست مجرد حكاية خريج يبحث عن عمل، بل هي مرآة عاكسة لرؤيتنا الوطنية للتنمية. حين يضطر خريج كلية الزراعة في بلد يملك 200 مليون فدان صالحة للزراعة إلى العمل في مهنة لا تمت لتخصصه بصلة، فإننا لا نواجه أزمة بطالة، بل أزمة هوية اقتصادية. الحل يبدأ بإرادة سياسية لتحويل الزراعة إلى محور تنموي حقيقي، بسياسات تشغيل واضحة، وتمويل ميسر، وشراكات ذكية. الاستثمار في المهندس الزراعي هو استثمار في مستقبل الأمن الغذائي. والسودان على موعد مع نهضة زراعية كبرى، إذا توفرت الإرادة لاقتناص الفرصة. فالثروة لا تُستورد، بل تُستخرج من الأرض بسواعد أبنائها، وفي مقدمتهم المهندس الزراعي الذي تنتظره ملايين الأفدنة لتعود للحياة.

leader

صحيفة الكترونية تهتم بالشأن السوداني

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى