مسار الدولة القوية: المهن الهامشية وأزمة غياب الاقتصاد الإنتاجي
بقلم : د. محمد صلاح علي الفكي

مسار الدولة القوية: المهن الهامشية وأزمة غياب الاقتصاد الإنتاجي
المهن الهامشية كعَرَض لخلل هيكلي
لا تمثل المهن الهامشية – أو ما يُعرف بـ “الاقتصاد غير الرسمي” – مجرد ظاهرة اقتصادية عابرة، بل هي مرآة تعكس اختلالاً عميقاً في بنية الاقتصاد الوطني وتوزيع الموارد.
ووفقاً للأطر النظرية في الاقتصاد المؤسسي، فإن اتساع القطاع غير الرسمي يُعد مؤشراً واضحاً على فشل المؤسسات الرسمية في استيعاب الطاقات البشرية وتوجيهها نحو الإنتاج المنظم (North, 1990). ومن ثم فإن معالجة هذه الظاهرة لا يمكن أن تكون رد فعل أمني محدود، بل يجب أن تُفهم كمشروع سيادي متكامل لإعادة بناء الدولة على أسس الإنتاجية والتنظيم والعدالة الاجتماعية.
“الدولة التي تنتج تُغني، والدولة التي تنظّم تستقر، والدولة التي تدمج شعبها تنهض.”
نماذج إقليمية للإدماج والتنظيم: الدروس المستفادة
تشير التجارب الدولية الناجحة إلى أن معالجة الاقتصاد غير الرسمي تتطلب سياسات إبداعية قائمة على الإدماج والتحويل الهيكلي. ففي الصين، ساهمت المناطق الاقتصادية الخاصة والمدن الصناعية المتخصصة، مثل تلك في شنتشن ودونغقوان، في استيعاب ملايين العاملين في الأنشطة الهامشية وتحويلهم إلى قوى عاملة منتجة في سلاسل التصنيع العالمية. وفي المغرب، نجحت سياسة “الأقاليم” في تحقيق تنمية متوازنة عبر إنشاء مراكز صناعية وتجارية متخصصة خارج المدن الكبرى، مما قلل من الهجرة الداخلية وخلق فرص عمل لائقة. كما تقدم إندونيسيا نموذجاً ملهماً عبر برامج الترقية الحضرية التي حولت الباعة المتجولين في جاكرتا إلى رواد أعمال ضمن مجمعات تسويقية منظمة. أما الهند، فأطلقت مبادرة “المهارات الهندية” لتدريب وتصنيف ملايين العاملين في القطاع غير الرسمي وإدماجهم في اقتصاد المعرفة. وتُظهر تجربة تركيا في مجمعات الصناعات الصغيرة والمتوسطة (المناطق المنظمة) كيف يمكن تحويل الحرفيين والباعة إلى مصنّعين وصادرين.
هذه النماذج تؤكد أن التحول من الاقتصاد الهامشي إلى الإنتاجي ليس خيالاً، بل خياراً استراتيجياً ممكن التحقيق بالإرادة السياسية والتخطيط الذكي. وتُجمع هذه التجارب على حقيقة أساسية: التحول الجذري ليس مسألة موارد فحسب، بل هو بالأساس مسألة رؤية مؤسسية وإدارة استراتيجية واعية تدمج الإنسان والمساحة في مشروع تنموي واحد.
التشخيص الاستراتيجي للأزمة: من البقاء إلى الإنتاج
1. الانهيار الهيكلي للاقتصاد الحقيقي
لم تكن المهن الهامشية – من باعة متجولين وبائعات شاي ومهن غير منظمة – خياراً طوعياً للمواطن، بل جاءت كاستجابة قسرية لانهيار منظومة الاقتصاد الحقيقي المنتج.
فعندما يغيب الإنتاج ويتآكل الدخل المستقر، يلجأ الأفراد إلى “اقتصاد البقاء” كآلية تكيف مع الأزمات الهيكلية (Portes & Haller, 2005). وقد تفاقم هذا الوضع بفعل الصراعات التي أغلقت المصانع وعطّلت سلاسل الإمداد، مما دفع مئات الآلاف نحو أنشطة هامشية بوصفها الملاذ الأخير.
2. فشل النُهُج الأمنية المُجرَّدة
يمثل التعامل مع الظاهرة عبر الإجراءات الأمنية وحدها خطأً استراتيجياً جسيماً، لأنه يعالج الأعراض ويتجاهل الجذور.
فبدلاً من محاربة الباعة المتجولين، ينبغي محاربة الأسباب الهيكلية التي دفعتهم إلى الشوارع، عبر بناء اقتصاد إنتاجي حقيقي، وإدماج القطاع غير الرسمي في منظومة تنموية عادلة ومستدامة.
إعادة بناء العاصمة السيادية: من الفوضى إلى التنظيم الحضري المتكامل
1. إعادة هندسة الفضاء الاقتصادي والحضري
تتطلب إعادة بناء العاصمة السيادية تحولاً جذرياً من الفوضى العمرانية والتجارية إلى نموذج حضري متكامل، يجمع بين الهيبة المؤسسية والكفاءة الاقتصادية والعدالة الاجتماعية.
مبررات الاستبعاد من النطاق السيادي:
1. السيادة وهيبة الدولة: فالعاصمة تمثل الواجهة الأولى للدولة ولا يجوز أن تسيطر عليها الفوضى.
2. جذب الاستثمار: المستثمرون الدوليون يتحاشون البيئات ذات الاقتصاد غير المنظم.
3. الصحة العامة: الأنشطة العشوائية تفتقر للرقابة الصحية وتُسهم في انتشار الأمراض.
4. الأمن والسلامة: تعيق حركة المرور والطوارئ وتشكل بيئة خصبة للجريمة.
5. العدالة الضريبية: تهرب كامل من الالتزامات الضريبية يثقل كاهل القطاع المنظم.
6. الجودة الحضرية: تؤدي إلى تدهور البنى التحتية وتشويه المشهد العمراني.
2. إنشاء منظومة تسويقية حديثة
إقامة مجمعات تسويقية متكاملة في مواقع استراتيجية تضم:
· مطاعم ومقاهٍ بمواصفات صحية عالية.
· مراكز لوجستية للتخزين والنقل والتغليف.
· مرافق مصرفية ورقابية متكاملة.
مع توظيف مبادئ التخطيط الحضري الذكي لتحقيق التوازن بين التنمية الاقتصادية وجودة الحياة (Glaeser, 2011).
التحول الإنتاجي وإدماج العاملين: آليات عملية
يجب أن يتم التنظيم بمنطق الإدماج الإنتاجي لا الإقصاء الاجتماعي، عبر آليات عملية تستند إلى نظريات التحول الهيكلي والاقتصاد الاحتوائي، مع الاستفادة من الأدوات الرقمية في تسريع عملية الدمج – من المنصات الإلكترونية للتسجيل والتمويل الأصغر، إلى قنوات التسويق الرقمي التي تفتح أسواقاً أوسع لمنتجاتهم.
1. الحصر والتصنيف
· إنشاء سجل وطني رقمي للعاملين في القطاع غير الرسمي.
· تصنيفهم حسب المهارات والخبرات والرغبات التنموية.
2. توفير فرص إنتاجية في ولايات الإنتاج
توطين المشاريع وفق الميزة النسبية لكل ولاية، في إطار رؤية للتنمية الإقليمية المتوازنة:
· التحويل الزراعي في الولايات الزراعية.
· الصناعات الحيوانية في مناطق الثروة الحيوانية.
· التعاونيات السمكية في الولايات الساحلية.
· المجمعات الحرفية في مناطق الكثافة المهنية.
مع توفير حزمة دعم متكاملة تشمل:
· تمويل ميسر موجه إنتاجياً.
· تدريب عملي متخصص.
· بنية تحتية صناعية مخفضة التكلفة.
· ربط تسويقي (تقليدي ورقمي) بالعقود الحكومية والتصدير.
· حوكمة تشاركية ودعم فني مستمر.
نموذج استراتيجي: المدن المتخصصة والتنمية المتوازنة كحل جذري
يمثل إنشاء مدن متخصصة ضمن رؤية تنموية متكاملة الحل الاستراتيجي الأعمق لمعالجة المهن الهامشية من جذورها. ويعتمد نجاح هذا النموذج على منطق التجميع المكاني، حيث يؤدي تجميع الأنشطة المتكاملة جغرافياً إلى خفض التكاليف ورفع الإنتاجية وخلق سلاسل قيمة محلية مستدامة.
يشمل هذا النموذج التحويلي:
1. مدن تجارية متخصصة لتغذية الصادرات وتلبية الاحتياج المحلي.
2. نقل المصانع إلى مناطق الإنتاج لخفض التكاليف وتعظيم القيمة المضافة.
3. مدن صناعية متكاملة.
4. نقل الجامعات وكليات التخصص إلى الأقاليم لوقف الهجرة التعليمية وتحقيق عدالة المعرفة.
5. إنشاء مطارات دولية في ولايات الإنتاج لربطها مباشرة بالأسواق العالمية.
هذا النموذج يعيد توزيع النشاط الاقتصادي جغرافياً، ويخلق فرص عمل منتجة، ويحوّل الهامش إلى مركز تنمية حقيقية.
ضبط الوجود الأجنبي وترشيد سوق العمل
· منع غير المواطنين من مزاولة المهن الهامشية داخل العاصمة السيادية.
· قصر العمالة الأجنبية على القطاعات النظامية المتخصصة وفق كوتا واضحة.
· ترحيل المخالفين ومعاقبة المشغلين غير النظاميين.
التوصيات: نحو نموذج تنموي متكامل (على مراحل زمنية محددة)
1. برنامج وطني للتحول الإنتاجي الشامل، يُنفذ على مراحل قصيرة ومتوسطة وطويلة المدى.
2. إنشاء مجمعات تسويقية حضارية بالعاصمة والمدن الكبرى.
3. تحويل الدعم من الاستهلاك إلى الاستثمار الإنتاجي.
4. تشكيل وحدة وطنية دائمة لإدماج الاقتصاد غير الرسمي.
5. إطلاق منظومة تمويل مرنة مرتبطة بالتدريب والتسويق.
6. تفعيل التنظيم الحضري الذكي للأسواق.
7. ضبط ملف العمالة الأجنبية ضمن أولويات سيادية.
8. إطلاق برامج تشغيل واسعة مُوجهة للمناطق المتأثرة بالصراعات.
مع الأخذ في الاعتبار إدارة التحديات المرتبطة بالتمويل والحوكمة والاستقرار الأمني خلال مراحل التنفيذ.
من فوضى البقاء إلى نظام البناء
إن بناء الدولة القوية لا يتحقق بإخفاء مظاهر الفقر، بل بإزالة أسبابه الجذرية.
ولا تُصان هيبة المدن بالقمع، بل بالتنظيم العادل والاقتصاد المنتج.
المهن الهامشية ليست قدراً اجتماعياً، بل نتيجة فراغ إنتاجي يمكن ملؤه بسياسات ذكية واستثمارات مدروسة وحوكمة رشيدة.
فالدولة القوية لا تُبنى بالشوارع الخالية، بل بالمصانع العاملة، والأسواق المنظمة، والإنسان المنتج.
ومن خلال:
· اقتصاد تحويلي بدل الهشاشة،
· وتنظيم مؤسسي بدل الفوضى،
· وعمل كريم بدل البطالة المقنّعة،
يبدأ السودان مسار النهوض الحقيقي بعد الحرب، بعاصمة سيادية حديثة، واقتصاد وطني مستقل، وإنسان شريك في البناء لا ضحية للأزمات.








