من الإنتاج تبدأ العودة: التنمية المتوازنة ومعاش الناس مدخل للاستقرار والأمن
بقلم : د. محمد صلاح علي الفكي

من الإنتاج تبدأ العودة: التنمية المتوازنة ومعاش الناس مدخل للاستقرار والأمن
كسر حلقة الانتظار
ليست عودة المواطنين إلى الخرطوم قرارًا إداريًا يمكن تأجيله بمرسوم، ولا استعادة الحكومة لدورها فعلًا ينتظر اكتمال هذه العودة. فالتجارب التاريخية في الدول الخارجة من الحروب تؤكد أن الاستقرار لا يُستدعى بالقرارات، بل يُبنى بالفعل الإنتاجي، وأن الشرعية لا تُستعاد بالخطاب، بل بالقدرة العملية على توفير أسباب الحياة الكريمة.
تتمثل الإشكالية الراهنة في معادلة انتظار معطِّلة ثلاثية الأبعاد:
· حكومة تنتظر عودة المواطن لتعمل
· مواطن ينتظر الحكومة لتعمل كي يعود
· واقع اقتصادي ينتظر الطرفين لينهار
بين هذا الانتظار المتبادل تتآكل فرص التعافي، وتتعمق الأزمة الاقتصادية، ويظل الأمن هشًا وقابلًا للانتكاس. هذا الوضع لا يُعالج بالتصريحات، بل بكسر حلقة الانتظار عبر مبادرة إنتاجية واعية تقودها الدولة، وتشارك فيها المجتمعات المحلية والقطاع المنتج.
تختصر الحكمة الإنسانية البسيطة فلسفة الدولة الحديثة: “إذا لم تصرف المال على الغذاء الجيد، ستُضطر إلى صرفه مضاعفًا على العلاج”. فالدولة التي لا تعالج مشكلة الإنتاج من جذورها، ستدفع الثمن في الأمن والاستقرار والصحة والاقتصاد معًا.
من هنا، تصبح التنمية المتوازنة والمستدامة في الأقاليم شرطًا موضوعيًا لعودة المواطنين، وضمان استقرار الحكومة، ومعالجة جذور الأزمة الاقتصادية. فالإنتاج ليس نتيجة للاستقرار، بل أساسه، والغذاء ليس قطاعًا اقتصاديًا فحسب، بل ركيزة من ركائز الأمن الوطني.
الإنتاج كمدخل للأمن والاستقرار: من الفراغ الاقتصادي إلى الهشاشة الأمنية
التحليل البنيوي للأزمة
في المرحلة الأولى من التعافي بعد الحرب، يكون غياب الإنتاج أخطر من غياب الخدمات، لأن الفراغ الاقتصادي يتحول سريعًا إلى فراغ اجتماعي، ثم إلى هشاشة أمنية. فعندما تتعطل الزراعة، وتتراجع الصناعات الغذائية، وتضعف سلاسل الإمداد المحلية، تصبح الدولة أكثر اعتمادًا على الخارج، وأكثر عرضة للصدمات، وأقل قدرة على التحكم في أسعار الغذاء والعملات وفرص العمل.
المثال التوضيحي: في تجارب ما بعد الصراع في أفريقيا (مثل سيراليون ورواندا)، كانت المناطق التي أعيد فيها الإنتاج الزراعي سريعًا هي الأكثر استقرارًا أمنيًا، حيث انخفضت نسبة التجنيد في الجماعات المسلحة بنسبة تصل إلى 40% عندما توفرت فرص العمل والإنتاج. وهو ذات المنطق الذي نجح في تجربة السودان التاريخية مع مشروع الجزيرة الزراعي الذي وفر الاستقرار الاجتماعي والاقتصادي لمنطقة بأكملها لعقود، قبل أن يتأثر بسياسات لاحقة.
التوازن الإقليمي كاستراتيجية وطنية
إن التركيز المفرط على العاصمة، دون بناء قواعد إنتاجية حقيقية في الأقاليم، يعيد إنتاج الأزمة بدل حلها. فهو يولد هجرة داخلية غير متوازنة، وضغطًا حضريًا غير محتمل، ويُبقي جذور الاختلال قائمة. أما حين تُبنى التنمية في الأقاليم، عبر الزراعة والصناعات التحويلية والخدمات المرتبطة بها، فإن العودة تصبح خيارًا طبيعيًا لا قرارًا قسريًا، ويغدو الاستقرار نتيجة تلقائية لا هدفًا معلقًا.
الغذاء الصحي كسياسة دولة: من الإغاثة إلى الإنتاج
التحول المفاهيمي
في المدى القصير (3-6 أشهر)، يمثل الاستثمار في الغذاء المحلي سريع العائد أحد أكثر أدوات الاستقرار فعالية. فالغذاء الصحي ليس مجرد سلعة، بل سياسة وقائية في الصحة العامة، واستثمار مباشر في الإنتاجية البشرية، وأداة لخفض الإنفاق العلاجي مستقبلًا.
المجتمعات التي تؤمّن غذاءها الجيد محليًا تؤمّن معها استقرارها الاجتماعي، وتحصّن اقتصادها من التقلبات، وتبني إنسانًا قادرًا على العمل والإنتاج لا مستهلكًا هشًا.
المنظومة المتكاملة
الزراعة هنا لا تُفهم كقطاع معزول، بل كمدخل لمنظومة إنتاج متكاملة تشمل:
· التصنيع الغذائي (تحويل أولي)
· التخزين (مخازن حبوب محلية)
· النقل والتوزيع (شبكات محلية)
· التسويق (أسواق إقليمية)
ما يخلق قيمة مضافة وفرص عمل مستدامة في كل حلقة من حلقات السلسلة.
من يقود التحول؟ إعادة تعريف أدوار الفاعلين
دور الدولة: من المراقب إلى المحفّز الفعّال
يتطلب هذا المسار انتقال الدولة من دور المراقب إلى دور المحفّز الاستراتيجي والمنسق الفعّال. الحكومة في المرحلة الانتقالية مطالبة بوضع الإطار الاستراتيجي، وتوجيه الموارد، وخلق الحوافز عبر:
أدوات التحفيز:
· حوافز ضريبية للمشاريع الإنتاجية في الأقاليم
· تمويل تشاركي مع القطاع الخاص
· إصلاح تشريعي يسهل الاستثمار الإنتاجي
· بناء البنية التحتية الأساسية الداعمة للإنتاج
الجهة القائدة:
· إنشاء مجلس أعلى للإنتاج والتعافي برئاسة رئيس الوزراء
· تفعيل وزارة الزراعة والموارد الطبيعية كقائد تنفيذي
· إشراك الحكومات الولائية والمحلية كشركاء في التنفيذ
دور المجتمعات المحلية: الشراكة الفعلية لا الشكلية
يجب أن تتحول مشاركة المجتمعات المحلية من شعار إلى آليات عملية:
· إعادة تفعيل التعاونيات الزراعية كوحدات إنتاج أساسية
· تمكين الإدارات الأهلية في تخطيط المشاريع المحلية
· نظام الحصص الإنتاجية الذي يربط الدعم بالإنتاج الفعلي
دور القطاع الخاص: الشريك المنتج
· شراكة في التمويل والتسويق
· استثمار في الصناعات التحويلية المرتبطة بالإنتاج الزراعي
· مشاركة في بناء سلاسل التوريد المحلية
خارطة طريق تنفيذية: من النظرية إلى الممارسة
المرحلة الأولى: الأشهر الستة الأولى (الطوارئ الإنتاجية)
1. تحديد 3-5 مناطق أولوية أقل تضررًا كمنصات انطلاق
2. برنامج البذور والأدوات الزراعية للموسم القادم
3. إعادة تأهيل سريع لمرافق التخزين الأساسية
4. شبكات الأمن الغذائي المحلية بديلة عن التوزيع المركزي
المرحلة الثانية: 6-18 شهرًا (بناء القدرات)
1. تطوير سلاسل القيمة المحلية
2. برامج التدريب المهني المرتبط بالاحتياجات الإنتاجية
3. بناء مؤسسات التمويل الأصغر الداعمة للإنتاج
المرحلة الثالثة: 18-36 شهرًا (التأسيس المؤسسي)
1. سياسات دعم إنتاجي (لا استهلاكي)
2. نظام معلومات إنتاجي وطني
3. شراكات إقليمية ودولية معتمدة على الإنتاج المحلي
مؤشرات قياس النجاح وتوزيع الموارد
لضمان تحوّل الرؤية إلى واقع ملموس، يجب قياس التقدم عبر ثلاثة مؤشرات جوهرية، مع تخصيص نسب تمويلية واضحة تعكس الأولوية الاستراتيجية لكل محور:
1. مؤشر الإنتاجية: نسبة الاكتفاء الذاتي من المحاصيل الغذائية الاستراتيجية في المناطق المستهدفة خلال الموسم الزراعي الأول.
حصة الموارد: 40% من إجمالي تمويل البرنامج الوطني العاجل، موجّهة مباشرة نحو البذور، الأدوات، الري الأساسي، والتخزين.
2. مؤشر العودة: معدل عودة الأسر إلى مناطق الإنتاج (وليس فقط العاصمة) مقترنًا بانخراطها في الأنشطة الإنتاجية.
حصة الموارد: 35% من التمويل، مخصصة للحوافز المباشرة (الإعانة الإنتاجية)، الإسكان العمالي المؤقت، وتأمين الخدمات الأساسية الدنيا في مناطق الإنتاج.
3. مؤشر الاستقرار: انخفاض مؤشرات الهشاشة الأمنية (مثل حوادث العنف أو الجريمة المنظمة) في المناطق المنتجة بنسبة قابلة للقياس.
حصة الموارد: 25% من التمويل، مركزة على تعزيز الأمن المجتمعي المحلي، ودعم آليات الرقابة الشفافة، وبناء الثقة بين المنتجين والدولة.
تحذير تنفيذي: يتعرض أي برنامج إنتاجي لمخاطر الانحراف، أبرزها: تحول الدعم إلى وسيط للفساد، احتكار المدخلات أو التسويق، وتسييس توزيع الموارد. وهذا يستلزم آليات رقابية شفافة منذ اليوم الأول، ومشاركة مجتمعية حقيقية في الإشراف، وعقوبات رادعة لمن يعيق مسار الإنتاج الوطني.
توصيات إجرائية مُحدّدة
1. إطلاق البرنامج الوطني العاجل للإنتاج الإقليمي
· المسار السريع: التركيز على 5 محاصيل استراتيجية سريعة النمو (ذرة، دخن، خضروات)
· الحوافز: إعفاءات ضريبية كاملة للمشاريع الإنتاجية في الأقاليم
· التمويل: صندوق خاص للائتمان الزراعي بإدارة مشتركة (حكومة-قطاع خاص-مجتمعات محلية)
2. إعادة تعريف “العودة” كعودة إنتاجية لا سكانية فقط
· تشجيع العودة إلى مناطق العمل والإنتاج لا حصر العودة في العاصمة
· برنامج “إعانة إنتاجية” بدل الإعانة الاجتماعية للمنتجين
· إسكان عمالي مؤقت في مناطق الإنتاج الرئيسية
3. الغذاء كأمن قومي: من السياسة إلى الحوكمة
· ربط ملف الغذاء بإصلاح سياسات الدعم (تحويل دعم الاستهلاك إلى دعم الإنتاج)
· مكافحة احتكار سلاسل الغذاء عبر تشجيع المنافسة المحلية
· نظام رقابة مجتمعية على توزيع المدخلات والإنتاج
4. سلاسل القيمة المحلية: من التجزئة إلى التكامل
· مراكز تجميع أولية في المناطق الإنتاجية
· وحدات تصنيع غذائي بسيطة (طحين، تعليب بسيط)
· أسواق إقليمية أسبوعية معفاة من الرسوم
5. الاستثمار في الإنسان المنتج: من المستهلك إلى الصانع
· مدارس حقلية في كل منطقة إنتاجية
· مناهج تعليمية عملية ترتبط بالاحتياجات الإنتاجية المحلية
· برامج التغذية المدرسية معتمدة على الإنتاج المحلي
دعوة للفعل الاستباقي
إن الدولة التي تبدأ من الإنتاج لا تخشى الانتظار، لأن العودة ستأتيها تلقائيًا. والدولة التي تؤمّن غذاءها تؤمّن معها صحتها وأمنها واستقرارها. أما الدولة التي تؤجل الإنتاج، فإنها تؤجل التعافي، وتراكم الأزمات بدل حلها.
لصانع القرار نقول: ما بعد الحرب ليس زمن الشعارات، بل زمن إعادة ترتيب الأولويات. وأولى هذه الأولويات هي أن نزرع قبل أن نختلف، وأن ننتج قبل أن ننتظر، وأن نبني الاستقرار من الأرض لا من المكاتب.
البداية من هنا: تحديد أول منطقة إنتاجية أولوية، وتوفير بذورها، وحماية منتجيها، وتسويق إنتاجها. عندها فقط تتحول معادلة الانتظار إلى دائرة إنتاج، وتتحول العودة من حلم إلى واقع ملموس.
الاستقرار يُزرع، والأمن يُنتج، والعودة تُبنى. فلنبدأ من حيث تنتهي الحلقة: من الإنتاج تبدأ العودة.







