
مدارس د. الكودة، ظاهرة نبوغ تستوجب الدراسة
تجاوزت مدارس د. الكودة الخاصة هذا العام مجرد التفوق الأكاديمي المعتاد، لتتحول إلى “ظاهرة تربوية واقتصادية” تستحق الوقوف عندها طويلاً والبحث العَميق، وذلك بعد إحرازها رقمًا قياسيًا لافتًا بـ 50 مقعداً في قائمة أوائل الشهادة السودانية. هذا الإنجاز الاستثنائي لا ينبغي أن يمر كحدث عابر، بل هو مادة خصِبة للدراسة والتحليل؛ لتستفيد منها وزارة التربية والتعليم أولاً، ثم المعلمون والمعلمات، والتربويون، والمدارس الحكومية والخاصة. وأصحاب الأعمال والمشروعات على حدٍ سواء.
نبوغ “مؤسسة د. أبوذر الكودة” لم يكن وليد الصدفة، بل ثمرة تخطيط استراتيجي مسبق وقراءة دقيقة للمستقبل.
ففي لقاء موثق يعود للعام 2018 او 2019، شاهدته في صفحات الفيس بوك، متحدثا مؤسس ومالك المؤسسة، الدكتور أبوذر الكودة، بثقة العارِف واضعاً خارطة طريق واضحة لمدارسه:
في 2018: وعد بدخول طلابه ضمن المئة الأوائل.
في 2019: توقع ارتفاع العدد تدريجياً وبنسب تصاعدية.
في 2025: حدد دخول أحد تلاميذه ضمن العشرة الأوائل.
في 2026: توّجت الرؤية بتحقيق المركز الأول على مستوى السودان.
أن يتحقق كل ما خُطط له بحذافيره على مر السنين، وفي ظل الظروف المعقدة التي عاشتها البلاد، فهذا يدل على أننا أمام عقلية إدارية وتربوية نادرة، ومؤسسة تُدار بعلمية “الهندسة الأكاديمية”، حيث يرجع هذا النبوغ الإداري والتربوي إلى أن الدكتور أبوذر الكودة لم يكتفِ بالإدارة التقليدية، بل صقل شغفه بالدراسة الأكاديمية العليا، فنال الدبلوم العالي، والماجستير، ثم الدكتوراه في مجال التعليم المدرسي والتربوي. بجانب الإرث العائلي والجينات التربوية، حيث ينحدر د. أبوذر من أسرة تعليمية عريقة؛ فوالده ووالدته وبعض أفراد أسرته معلمين ومعلمات (على حسب روايته المنشورة في الفيس). هذا العيش في كنف “مهنة الأنبياء” أورثه أسرار التعامل النفسي والتربوي مع الطلاب والمعلمين.
أدعوا وزارة التربية والمعلمين والتربويين والباحثين لتفكيك “شفرة الكودة”، هذا النجاح الباهر يضع وزارة التربية والتعليم (كجهة رسمي مختصة)، ومراكز البحوث، والمعلمين والباحثين والتربويين كأفراد، أمام مسؤولية مهنية ووطنية لدراسة هذه التجربة وتعميمها.
لدراسة وتفكيك هذه الظاهرة ومعرفة أسرارها، أقترح خطة ومنهجية واضحة لعينة الدراسة الأكاديمية تشمل عدة مستويات: المستوى الإداري (رأس الهرم): تبدأ الدراسة من صاحب الرؤية د. أبوذر الكودة لمعرفة فلسفته التعليمية والتربوية وكرجل أعمال وكيفية تحويل الخطط النظرية إلى واقع ملموس.
أيضا علي المستوى التنفيذي والأكاديمي، بدراسة أداء المعلمين، وطرق التدريس، والوسائل التعليمية، إضافة إلى دراسة دور الوحدات والإدارات المساعدة داخل المدارس التي ضبطت إيقاع العمل.
أيضا على المستوى الطلابي الشامل (بمختلف فئاته)، لا يجب التركيز على المتفوقين فقط، بل يجب أن تشمل عينات الدراسة الطلاب الذين أحرزوا مراكز في قائمة الأوائل، والطلاب الذين أحرزوا مجاميع فوق 90% و فوق 80% و فوق 70%، والطلاب الراسبين والذين أحرزوا أقل من 55%؛ وذلك للوقوف على أسباب تراجع درجاتهم ومعرفة الفجوات لعلاجها مستقبلاً.
ثم لابد من دراسة البيئة المحيطة (أولياء الأمور)، بإجراء دراسات مسحية ومقابلات مع أسر الطلاب، لمعرفة طبيعة المتابعة المنزلية، والتعاون والربط الذي تم بين المدرسة والبيت لتهيئة الظروف النفسية والأكاديمية للأبناء.
وأيضا يجب دراسة أثر الحرب على المدارس الحكومية التي مقيدة بلوائح وقوانين وزارة التربية والتعليم، عكس المدارس الخاصة التي ليها قيود مختلفة.
إن نموذج مدارس د. الكودة يجب دراسة هذه التجربة، لمعرفة كيفية تطبيق مخرجاتها على بقية المدارس الحكومية والخاصة. وحتي رجال الأعمال، وأصحاب المشاريع يمكن أن يستفيدوا من التجربة، بإعتبار أنها مشروع خدمي وإقتصادي.








