مقالات

أزمة “الرغيف” في السودان: عناد الجغرافيا، فخ الاستيراد، وسموم الدقيق الأبيض

بقلم الأستاذ الجامعى : الدكتور/ الفاتح يس 

أزمة “الرغيف” في السودان: عناد الجغرافيا، فخ الاستيراد، وسموم الدقيق الأبيض

إستوقفني إعلان ولاية الخرطوم بقيادة واليها بالتدابير لاستمرار بيع الخبز بالأسعار السابقة، مع إعفاء المخابز من الرسوم المحلية حتى نهاية العام.

في البداية لم يكن الخبز (العيش) يوماً مجرد سلعة على الرصيف السوداني، بل كان دوماً محركاً للسياسة وموجهاً ومغيرا للحكومات في السودان. لكن في ظل الأزمات المتلاحقة التي تخنق البلاد، بات من الضروري مواجهة الحقيقة وتغير عقلية الحل.

إن الاعتماد المطلق على القمح في السودان هو معركة خاسرة ضد الجغرافيا والمناخ، وفخ اقتصادي وصحي يجب الانعتاق منه فوراً؛ فالحقيقة العلمية الأولى التي تتجاهلها معظم الحكومات التي تعاقبت على حكم السودان، هي أن القمح محصول شتوي بامتياز، يحتاج إلى فترات برودة ممتدة ومستقرة لينمو وينتج بإنتاجية عالية. وفي المقابل، يقع السودان في خط المدار الاستوائي والمداري الجاف، حيث تتميز معظم أراضيه بالحرارة المرتفعة طوال الوقت العام وقصر فصل الشتاء وتذبذبه.

إن الإصرار على التوسع في إستيراد وزراعة القمح في مناخ غير مهيأ طبيعياً، يعني استنزافاً للجنية السوداني، وزيادة تكلفة إنتاج باهظة لا يمكنها منافسة القمح المستورد من دول “حزام القمح” العالمي كأوربا وروسيا. فالقمح في السودان يزرع تحت ظروف قسرية، وهو ما يجعل الاعتماد عليه كغذاء رئيسي محلياً رهاناً غير مجدٍ من الناحية الاقتصادية والبيئية.

النظر إلى محاصيل أخري كالذرة والفتريتة هي الحل، السودان الذي كان يُوصف يوماً بأنه “سلة غذاء العالم” لا يمكنه تحقيق أمنه الغذائي بالركض وراء محاصيل لا تشبه أرضه ومناخه. إن البديل الآمن والمستدام يكمن في التركيز على زراعة المحاصيل التقليدية البديلة مثل الذرة بأنواعها المختلفة، والفتريتة، والدخن. هذه المحاصيل ليست مجرد إرث غذائي، بل هي نباتات أصيلة في البيئة السودانية، تناسب السودان، وتجود زراعتها في مختلف أقاليم البلاد.

إن تحويل الدعم الحكومي والجهد البحثي نحو تطوير وتوطين تكنولوجيا صناعة الخبز المخلوط (خلط دقيق الذرة بالقمح أو بالبدائل الأخرى) هو السبيل الناجع لحل هذه الأزمة التقليدية.

إضافة إلى ذلك، برزت في السنوات الأخيرة حملة شرسة، قادها خبراء التغذية والأطباء ضد الدقيق الأبيض (المستخلص من القمح). فقد جرد العلماء هذا “السم الأبيض” من هيبته، بعد أن أثبتت الدراسات الطبية أنه يخسر بعض من قيمته الغذائية وأليافه أثناء عمليات التكرير (التقشير)، وربما يتسبب في بعض أمراض الباطنية. فلماذا تستنزف الدولة خزائنها الشحيحة بالعملة الصعبة لاستيراد القمح؟! في حين أن البدائل المحلية كالذرة غنية بالألياف والمعادن ومضادات الأكسدة خيار لابد من دراستة من قبل المختصين.

لقد حان الوقت لتغيير الثقافة الغذائية للمواطن السوداني، بالتزامن مع إرادة سياسية وزراعية شجاعة تعيد الاعتبار لـ”الفتريتة” والذرة ليتصدرا المائدة السودانية.

leader

صحيفة الكترونية تهتم بالشأن السوداني

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى