مقالات

غابات السودان في غذاء الناس ومعاشهم دروس من تجارب إفريقية

بقلم : طلعت دفع الله عبد الماجد

غابات السودان في غذاء الناس ومعاشهم

دروس من تجارب إفريقية

حين يُحضَّر شراب التبلدي أو العرديب، أو تؤكل حفنة من النبق، تكون للشجرة حصة في المائدة السودانية. وقد تصل هذه الحصة بطريق آخر؛ فثمن الصمغ أو العسل يستطيع أن يشتري للأسرة حبوبًا وزيتًا، وأوراق الأشجار التي ترعاها الماشية تسهم في إنتاج اللبن واللحم. هكذا تتصل الغابة بغذاء الناس عبر تفاصيل مألوفة، قد لا نلتفت إليها حين نحسب المحاصيل أو نتحدث عن الإنتاج الزراعي.

هذه الصلة هي ما يتناوله *كتاب «الغابات من أجل الغذاء» الصادر عن منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة «الفاو» عام 2026.* وتكشف التجارب الإفريقية التي يعرضها عن وجوه متعددة لمساهمة الغابات في حياة الأسر، وتتيح لنا أن نقرأ موارد السودان من زاوية أقرب إلى احتياجات الناس.

فالكتاب لا يقدم دراسة خاصة بالسودان، لكنه يثير أسئلة تهمنا عن الغذاء الذي نجمعه، والدخل الذي نحصل عليه، وما يلزم لاستمرار هذه الموارد.

يتسع مجال هذه الأسئلة بقدر اتساع البيئات السودانية وتباينها؛ من الصحراء في الشمال، حيث لا تستقر الأشجار إلا حول مجاري المياه والواحات والمواضع المحمية، إلى أحزمة السافانا الجافة، ثم السافانا الأعلى مطراً والأغنى بالأشجار في الجنوب والجنوب الشرقي.

وتكتمل هذه الصورة بالغابات النيلية، ومجتمعات النبات في الجبال والوديان ومناطق الفيضان، حيث تتداخل آثار الماء والتربة والتضاريس في تحديد الغطاء النباتي وتنوعه.

وقد وضع هاريسون وجاكسون في كتابهما المرجعي «التصنيف الإيكولوجي لنباتات السودان» الصادر عام 1958 إطاراً علمياً مبكراً لهذا التنوع، مستنداً إلى التركيب النباتي والأمطار والتربة، وقسّما البلاد إلى نطاقات وأحزمة بيئية مترابطة.

ورغم أن المرجع كُتب قبل انفصال جنوب السودان وقبل التحولات الواسعة في المناخ واستعمالات الأرض وتدهور الغطاء النباتي، فإنه لا يزال وثيقة تاريخية وعلمية لا غنى عنها لفهم الأصل الذي انطلقت منه خريطة نبات السودان. وقيمته الحقيقية ليست في التعامل معه بوصفه وصفاً ثابتاً للواقع الراهن، بل باعتباره خط أساس يمكن أن نقيس عليه ما طرأ لاحقاً من تغير وانحسار وتحول في الغابات والمراعي.

ومن هنا تأتي الحاجة إلى تحديث هذا الإرث بالمسوحات الميدانية الحديثة والاستشعار عن بُعد ومعرفة المجتمعات المحلية، حتى تصبح إدارة الغابات والمراعي مبنية على واقع اليوم لا على خرائط الأمس وحدها. ولكل بيئة أشجارها ومواسمها وطرائق الانتفاع بها. لذلك لا يمكن أن تكون تنمية منتجات الغابات برنامجًا واحدًا يتكرر في كل مكان؛ فما تحتاجه قرية تعتمد على التبلدي يختلف عما يحتاجه منتجو الصمغ أو مربو النحل أو الرعاة.

وتبدأ قيمة هذا التنوع من الوجبة اليومية. فالحبوب تسد جانبًا كبيرًا من حاجة الناس إلى الطعام، وتضيف إليها بعض الثمار والأوراق والبذور مغذيات ونكهات لا توفرها الوجبة المحدودة بالمقدار نفسه.

وتزداد أهمية هذه الإضافات حين يقل المحصول أو ينفد المخزون قبل الموسم الجديد. عندئذ قد تساعد منتجات الأشجار الأسرة على تنويع طعامها أو شراء ما ينقصها، وإن ظلت قدرتها على ذلك مرتبطة بالموسم وحالة المورد وإمكان الوصول إليه.

وتتيح هذه الدروس مدخلًا عمليًا للسودان يبدأ من عدد محدود من المنتجات في بيئات مختلفة. يجتمع الباحثون والعاملون في الإرشاد مع المنتجين لمعرفة ما يؤكل وما يباع، ومتى يقل المعروض، وأين يحدث الفاقد. ثم تُختبر تحسينات بسيطة في الجمع والتجفيف والتخزين، وتُتابع فائدتها للأسرة وأثرها في تجدد المورد. ويصبح الإرشاد أكثر قربًا من الناس حين يساعد على حل مشكلة يواجهونها في موسمهم، ويتيح لهم تجربة الحل والحكم عليه.

بهذا الفهم، تعود منتجات الغابات إلى مكانها ضمن شؤون الغذاء والزراعة والتنمية الريفية. ففي كل منطقة سودانية يمكن البحث عن الشجرة التي يعرفها الناس، والمشكلة التي تحد من انتفاعهم بها، والعمل الذي يحسن عائدها ويحفظ بقاءها. وحين تجد الأسرة غذاءً أجود أو دخلًا أنفع من شجرة قائمة، وتطمئن إلى حقها في ثمار جهدها، تصبح حماية الغابة مصلحة قريبة تراها في حياتها كل يوم.

leader

صحيفة الكترونية تهتم بالشأن السوداني

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى