
ومضة رمضانية
حينما نظر الإمام الغزالي إلى الظل ورآه ثابتاً نفى عنه الحركة، ثم ما لبث ساعة حتى شهد له بالحركة، فكذَّب عقله الحس.
وفي النوم، حين رأى أموراً وأحوالا اعتقد فيها الثبات، لكن حين استيقظ لم يجد لها أصلاً، فشَك في يقظته نفسها: هل تكون هي حلماً آخر؟
ثم جاء ديكارت بعد ستة قرون من الغزالي ليقر أنه ما أحس شيئاً في اليقظة إلا ظن أنه يمكن أن يحسه في النوم.
وأنه لا يجد مبرراً لتصديق إحساسه في اليقظة أكثر من تصديقه إحساسه في المنام.
وتبعه باسكال: أننا لا نستطيع أن نجزم: هل نحن متيقظون أم نائمون، ما دمنا أثناء النوم نعتقد أننا يقظون اعتقاداً لا يقل ثباتاً عن اعتقاد اليقظة؟
وإننا نحلم ونحلم داخل الحلم، فنضم حلماً إلى حلم؛ أفلا يجوز أن تكون يقظتنا حلماً أكبر، ولا يكون الاستيقاظ إلا ساعة الموت؟
ويأتي برتراند راسل بعد ثمانية قرون من الغزالي ليؤكد:
لا توجد استحالة منطقية تمنع أن يكون الكون كله حلماً طويلاً، وأن يكون خيالنا هو الذي ابتدع الحقائق التي تلوح لنا.
ثم جسد الحسن التهامي ذلك كله شعراً:
“العيشُ نومٌ، والمنيةُ يقظة… والمرء بينهما خيالٌ ساري”.
ثم تمضي العلوم التجريبية الحديثة في الاتجاه ذاته، فتؤكد: ما نراه صوراً جامدة ليس في حقيقته إلا تكوينات فضفاضة من ذرات وجسيمات تتحرك في الخفاء وراء سكونٍ ظاهر.
﴿وترى الجبال تحسبها جامدة وهي تمر مر السحاب﴾ (النمل: 88).
فالعالم في مستواه المشاهد صورةً توهمنا بالثبات، بينما في مستواه غير المشاهد هو سحب من الجسيمات الذرية، كالإلكترونات وفوتونات الضوء، بخاصية مزدوجة:
فهي موجة كأنها طاقة، وجسيم كأنها مادة، في آنٍ واحد.
فإذا كان الحس يخادع،
والعقل يُراجع ويتراجع،
والعلم يتبدل مع الزمن،
فأين نجد اليقين؟
حين يختلط كل شيء في أعيننا،
تبقى الطمأنينة الحقيقية في أن الحقيقة أكبر منا جميعاً.
ورمضان كريم






