مقالات

في معنى احترام القيادة وهيبة الدولة حين تكون السيادة خطاً احمر لا مجال لتجاوزه

بقلم :  د. الشاذلي عبداللطيف

في معنى احترام القيادة وهيبة الدولة

حين تكون السيادة خطا احمر لا مجال لتجاوزه

في زمن التحولات الكبرى ومع تطلع الشعوب الى الاستقرار بعد الفوضى، تبرز هيبة الدولة واحترام قيادتها بوصفهما شرطا اساسيا لبقاء الدولة نفسها. فالدولة لا تقوم على القوانين وحدها، ولا على القوة المجردة، بل على وعي جمعي يدرك ان للسيادة رموزا، وللسلطة حدودا، وللاحترام قيمة لا يمكن التفريط فيها.

احترام قيادة الدولة، ومجلس سيادتها، ووزرائها، وحكومتها، ليس موقفا سياسيا ظرفيا، ولا انحيازا لاشخاص، بل التزام وطني تجاه فكرة الدولة ذاتها. فالقيادة تمثل رأس الشرعية، والمؤسسات تمثل جسد الدولة، والمساس بهما في الخطاب او السلوك لا يضعف افرادا بعينهم، بل يضرب هيبة الدولة في عمقها، ويفتح بابا للاستخفاف لا يغلق بسهولة.

الدولة في معناها الفلسفي ليست افرادا، بل عقدا معنويا يجمع الناس على نظام واحد. وحين يضعف احترام هذا النظام، تتآكل السيادة تدريجيا، حتى تصبح السلطة محل نزاع دائم، وتتحول الدولة من مظلة جامعة الى ساحة صراع. لذلك فان احترام القيادة ليس نقيضا للمساءلة، بل شرطا لقيامها. فالمساءلة لا تمارس في مناخ الاساءة، ولا في بيئة التشهير، بل داخل الاطر المؤسسية التي تحفظ للدولة وقارها.

الحكمة السياسية تقتضي التمييز الصارم بين النقد المسؤول، الذي يراد به الاصلاح، وبين التجاوز الذي ينتهي الى الاضعاف. النقد الرشيد يرفع الاداء ويقوي الدولة، اما السخرية والتقليل والطعن في الرموز السيادية، فهي لا تنتج وعيا، بل تزرع الشك، وتهدم الثقة، وتربك المشهد العام. الدول القوية لا تخشى النقد، لكنها لا تقبل العبث.

وقد عرفت التجربة السودانية هذا المفهوم في محطات تاريخية مختلفة.

فقد جسد الرئيس جعفر نميري فهما صارما لهيبة الدولة، فكان مهما اتخذ من قرارات خاطئة حاسما وقويا، لا يسمح بالمراجعة العلنية، ايمانا بان تراجع السلطة يضعف هيبة الدولة ويكسر رمزيتها. هذا الطرح لا يقدم تقييما سياسيا لتجربته بقدر ما يسلط الضوء على مدرسة تقليدية في ادارة الدولة، ترى ان الحفاظ على الهيبة في لحظات الاضطراب مقدمة ضرورية للاستقرار، حتى وان كان الثمن اخطاء في القرار.

ان مجلس السيادة والحكومة يمثلون الواجهة الدستورية للدولة، واحترامهم هو احترام للدولة نفسها. الطعن فيهم خارج القنوات القانونية لا يقرا معارضة، بل يفهم مساسا بالسيادة، وتفكيكا لرمزية الحكم. ولهذا فان هيبة الدولة تمثل خطا احمر بالمعنى العاقل للكلمة، خطا لا يمنع السؤال، لكنه يمنع الاساءة، ولا يغلق باب النقد، لكنه يغلق باب الفوضى.

الدبلوماسية في الشان العام ليست ترفا لغويا، بل اداة استقرار. اللغة التي يخاطب بها الاعلام والنخب السياسية قيادة الدولة تعكس صورة الوطن في الداخل والخارج. فالدولة التي تحترم في خطابها، تحترم في قراراتها، وتحترم في ازماتها. والقيادة التي تحاط بالاحترام، تملك قدرة اكبر على التصحيح والمراجعة من داخل المؤسسات، لا تحت ضغط الفوضى.

في الخلاصة، احترام قيادة الدولة ومؤسساتها ليس ضد الحرية، بل ضمانتها. وهو ليس تعطيلا للمساءلة، بل تنظيما لها. فحين يدرك الجميع ان هيبة الدولة وسيادتها خط احمر لا يمكن تجاوزه، تصبح الدولة اكثر تماسكا، ويصبح الاختلاف اكثر نضجا، ويقف الوطن مرفوع الراس، قادرا على العبور دون ان ينكسر.

leader

صحيفة الكترونية تهتم بالشأن السوداني

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى