
المحوَّر وراثيًا في السودان: المكاسب والمخاطر
• “أولًا يتجاهلونك، ثم يسخرون منك، ثم يقاتلونك، ثم تفوز أنت”.
• مقولة تُنسب للمهاتما غاندي، وتكاد تختصر حكاية إدخال القطن المُحوَّر وراثيًا إلى السودان في منتصف العقد الأول من الألفية.
• في بداياتها، قوبلت الفكرة بتجاهل شبه كامل، باستثناء قلة من الباحثين بقيادة البروفيسور أزهري عبد العظيم حمادة مدير عام هيئة البحوث الزراعية حينها، رحمه الله.
• ولكن سرعان ما اشتعل الجدل بين مؤيد يرى فيه طوق نجاة للقطن السوداني، ومعارض يتحسّب لمخاطره العلمية والبيئية.
• ولم تلبث المخاوف أن تحوّلت من نقاشات نظرية إلى قلق عملي تمثّل في شكاوى ضعف إنبات البذور.
• قبل أن تنتهي المعركة برفع شعار: “لا بديل للقطن المُحوَّر وراثيًا إلا القطن المُحوَّر وراثيًا”.
• وبالأمس، ذُكر خلال المحاضرة التي ألقاها الدكتور وجدي ميرغني حول آفاق الاستثمار الزراعي في السودان، أن إنتاجية القطن المُحوَّر بلغت ستة أضعاف تقريبًا.
• وهذا ما يبرر طرح الموضوع الآن وفتح النقاش حول مكاسب التجربة ومخاطرها من جديد.
• علميًا وعالميًا، أُدخلت جينات بكتيريا Bacillus thuringiensis إلى القطن في الثمانينيات لإنتاج بروتينات قاتلة لحشرات مثل دودة لوز القطن.
• ومحلياً في السودان كان الدافع ضرورة عملية: وحل إسعافي عاجل لانهيار الإنتاج التقليدي، تفشّي الآفات، وارتفاع كلفة المبيدات.
• وقد حقق القطن المُحوَّر نجاحًا إنتاجيًا واضحًا على المستوى الحقلي، ولكن دون إطار بحثي وطني أو منظومة متكاملة للسلامة الحيوية، ونجاح مؤسسي مستدام أو سياسة سيادية متكاملة.
• مقارنة بالتجارب العالمية، نجحت الهند في إدخال القطن المحوَّر على نطاق واسع، مدعومة باستثمارات ضخمة في البحث والإرشاد والتنظيم.
• محققة بذلك قفزة إنتاجية جعلتها من أكبر منتجي القطن عالميًا، إلا أن هذا النجاح جاء مصحوبًا بتكاليف اجتماعية وبيئية معتبرة.
• أما على الصعيد الأفريقي، فبوركينا فاسو، اختارت مسارًا مختلفًا؛ فتراجعت عن القطن المحوَّر بقرار سيادي، بعد أن تدهورت جودة الألياف وتأثرت سمعة قطنها في الأسواق العالمية.
• ففضلت خسارة جزء من الإنتاجية للحفاظ على الجودة والسيطرة الوطنية على القرار الزراعي.
• أما السودان، فقد ظل في المنطقة الرمادية: لا نجاح مؤسسي مستدام، ولا قرار سيادي حاسم.
• ورغم التحفظات التي أبداها مناوئو القطن المُحوَّر، فإن الجدل الذي أثاروه أسهم عمليًا في تفعيل قانون السلامة الحيوية عام 2010.
• وذلك بتحديد الجهة الفنية المختصة التي كانت سبباً في تعطيل إنفاذ القانون، ودراسة المخاطر، وهو مكسب مؤسسي لا يُنكر في مسار تجربة شابتها العجلة والارتجال.
• ولعل أعمق ما قيل في إطار ذلك الجدال، السؤال الذي طرحه وزير العلوم والتكنولوجيا حينها بروفيسور إبراهيم أحمد عمر لجموع المختصين:
هل يصدر الرئيس قرارًا بقبول أو رفض المحاصيل المحوَّرة؟
• وجاء الجواب على لسان البروفيسور أزهري بهدوء العلم لا صخب السياسة:
ليس مطلوبًا رفضها، بل تُدرس كل حالة منها على حدة وفق رؤية علمية ووطنية.
• وأخيراً تعود مقولة غاندي لتأخذ معناها الأعمق: الفوز الحقيقي لا يتحقق حين تنجح التقنية، بل حين تنتصر المنظومة التي تحكم استخدامها.
• وفي حالة القطن المُحوَّر في السودان، ربما انتصرت التقنية، لكن الدولة ما زالت مدعوة لاجتياز اختبارها الأصعب: بناء منظومة وطنية تحكم التقنية ولا تُحكَم بها.
تضرعاتي بحسن الخلاص؛ وتقديري العميق.







