مقالات

إدارة سلاسل القيمة المضافة: تحويل الميزة النسبية إلى ميزة تنافسية

بقلم : د. محمد صلاح علي الفكي

 

إدارة سلاسل القيمة المضافة: تحويل الميزة النسبية إلى ميزة تنافسية

يمثل الانتقال من إدارة الموارد الخام إلى هندسة القيمة المضافة تحولًا جوهريًا في الفلسفة التنموية والإدارية. يتطلب هذا التحول الانتقال من النموذج القطاعي المنعزل إلى نموذج إدارة منظومية متكاملة. يستلهم الاقتراح المقدم نماذج عالمية ناجحة، ويتميز بالنظرة الواقعية لتحويل الرؤية إلى خطة عمل قابلة للتنفيذ.

يقترح هذا الإطار اعتماد نموذج هجين ذكي لإدارة سلاسل القيمة، يجمع بين سلطة التخطيط الاستراتيجي العالي وكفاءة التنفيذ التشغيلي المركز. يقوم هذا النموذج على دعامتين رئيسيتين: مجلس أعلى وطني لسلاسل القيمة المضافة يتبع لمجلس الوزراء ويتولى وضع السياسات والتنسيق الاستراتيجي العابر للوزارات، ووحدة تنفيذية متخصصة بوزارة الصناعة تتولى المهام التشغيلية، مع ارتباط مؤسسي فعّال بوزارتي الزراعة والبحث العلمي وكل الجهات المعنية.

يستند هذا التصوّر إلى خلاصة التجارب الدولية. ففي رواندا، ارتبطت سلاسل قيمة القهوة والشاي مباشرة برئاسة الوزراء، مما أتاح تنسيقًا استثنائيًا بين الزراعة والتصنيع والتسويق، وحوّل البلاد من مصدّر للبن الخام إلى دولة تنتج وتعبّئ وتصدر علامة تجارية وطنية، تضاعف معها دخل المزارعين وفتحت الأسواق الأوروبية. وفي الهند، أنشأت هيئة وطنية متخصصة ربطت المزارع بالمعمل ومنه إلى الصيدلية، محوّلة النباتات التقليدية إلى صناعة دوائية عشبية معتمدة. كما تقدم تجارب تايلاند في العناقيد الابتكارية والمغرب في تمكين المجتمعات القروية دروسًا قيّمة في الكفاءة والشمولية.

إدارة التغيير ومقاومة الإصلاح

أي تحول استراتيجي بهذا الحجم لا يخلو من تحديات، أبرزها مقاومة مراكز المصالح القائمة التي تكرّس نفسها في اقتصاد الوسطاء والسمسرة والتصدير الخام السريع العائد. قد يواجه النموذج أيضًا تضاربًا في الأولويات داخل الجهاز التنفيذي نفسه. لذلك، يجب أن تصاحب عملية التنفيذ خطة واضحة لإدارة التغيير، تقوم على بناء تحالفات داعمة مع المنتجين الحقيقيين، وتواصل فعّال يبرز المنفعة العامة، وتطبيق مرحلي يثبت النجاح عمليًا قبل التوسع، مما يحوّل مقاومة التغيير إلى دعم تدريجي للإصلاح.

الحوكمة المؤسسية وإدارة سلاسل القيمة

يُعدّ الهيكل المؤسسي الركيزة الأساسية لنجاح أي منظومة متكاملة. لا ينحصر دور المجلس الأعلى والوحدة التنفيذية المقترحَين في التخطيط الصناعي التقليدي، بل يتعدّاه إلى تنسيق وإدارة سلاسل القيمة الكاملة للمحاصيل الاستراتيجية ذات الميزة النسبية العالية، مثل الكركديه والصمغ العربي والتبلدي والدوم والعرديب والقضيم. بينما يركز التنفيذ على مرحلتي التصنيع والتسويق الحيويتين، فإنه يضمن تكاملًا وظيفيًا لا ينفصم مع قطاعي الإنتاج الزراعي والبحث العلمي، لتحويل المعرفة الأكاديمية والزراعية إلى منتجات عالية القيمة.

لضمان حوكمة رشيدة وتجاوز تشتت المسؤوليات، يعتمد النموذج على آليات تنسيق واضحة، تشمل لجانًا توجيهية مشتركة على أعلى مستوى تضم الوزارات الأساسية، وفرق عمل تقنية متخصصة لكل محصول. كما يقترح إنشاء نظام معلومات مركزي لسلاسل القيمة يجمع ويحلل البيانات بدقة، ليكون قرار الاستثمار والتطوير مبنيًا على أرقام وحقائق، لا على توقعات أو انطباعات.

تتولى الوحدة التنفيذية مهمة مركز ذكاء السوق، عبر تحليل مستمر لاتجاهات الطلب العالمي وأسعاره، ودراسة متطلبات الجودة والمعايير الدولية الصارمة، لتعزيز قدرة المنتج الوطني على المنافسة. كما تطور استراتيجيات تسويقية جماعية ذكية، تروّج للعلامة التجارية الوطنية من خلال إبراز قصصها الصحية والبيئية والإنسانية الفريدة.

آليات التنفيذ وتمكين الأطراف الفاعلة

تمثل الجمعيات التعاونية والتعاقدية القلب النابض لهذا النموذج وأكثر أدواته كفاءة. فهي الجسر الذي يربط آلاف صغار المزارعين المنتشرين بالسلسلة القيمة الرسمية المنظمة، محوّلة إنتاجهم المبعثر إلى كتلة تفاوضية مؤثرة.

تتولى التعاونيات تجميع المحاصيل وضبط جودتها الأولية عبر عمليات التجفيف والفرز والتعبئة المعيارية، مما يقلل الهدر ويرفع القيمة السوقية بشكل ملحوظ. كما تتفاوض نيابة عن أعضائها على عقود زراعية عادلة وطويلة الأمد مع المصانع أو المصدرين، تحدد سعرًا مستقرًا ومواصفات جودة واضحة، وتُخرج المزارع من دوامة التقلبات والمضاربات. إضافة إلى ذلك، تدير التعاونيات عمليات النقل والتجميع الأولي بشكل جماعي، مما يخفض التكاليف اللوجستية على كل مزارع على حدة.

لضمان قوة واستدامة هذه التعاونيات، يقدم النموذج إطار دعم متكامل يشمل برامج تدريب مكثفة في الإدارة المالية وضبط الجودة، وتسهيل الوصول للتمويل من خلال ربط القروض بعقود التوريد المضمونة، وتقديم الدعم التقني المستمر في عمليات ما بعد الحصاد والتخزين للحفاظ على الجودة.

التمويل والاستثمار واستدامة المشروعات

يتطلب تحفيز قطاع التصنيع التحويلي، ذي الربحية المتوسطة والعائد طويل الأجل نسبيًا، مزيجًا مدروسًا من أدوات التمويل. تشمل هذه الأدوات صناديق استثمارية سيادية أو تنموية لتمويل البنى التحتية المشتركة الأساسية، مثل مراكز الأبحاث التطبيقية ومعامل الاستخلاص التجريبية ومنشآت التخزين المبرد. كما يُشجَع على شراكات القطاع العام والخاص لجذب الاستثمارات الكبيرة في المصانع المتوسطة والكبيرة، مع منح حزم تحفيزية ذكية. على مستوى المزرعة، يُوجّه التمويل الأصغر والزراعي المباشر والمربوط بعقود التوريد لتمكين المزارع من تحسين مستلزمات الإنتاج.

ترتكز الحوكمة المالية السليمة على إلزام كل مشروع بدراسة جدوى رقمية مفصلة تبين هامش القيمة المضافة المتوقع، وإنشاء وحدات متخصصة لإدارة المخاطر التشغيلية والتجارية. كما يُقترح تخصيص نسبة من عوائد التصدير النهائية لصندوق دائم للبحث والتطوير والابتكار في المنتجات، لضمان استمرارية التطوير.

التخطيط المرحلي والتقييم القائم على النتائج

يعتمد النجاح على خطة مرحلية واقعية وقياس دقيق للأثر. خلال العامين الأولين، تركز المرحلة التأسيسية على بناء نموذج تجريبي كامل في منطقة رائدة، يشمل تأسيس تعاونيات نموذجية وإنشاء وحدة تصنيع أولية لمنتج بسيط مثل شاي الكركديه المعبأ، بهدف إثبات الجدوى واكتساب الخبرة. تليها مرحلة التوسع والتكامل (السنتان الثالثة والرابعة) لتعميم النموذج جغرافيًا وتقنيًا، والاستثمار في وحدات إنتاج أكثر تقدمًا، كالمستخلصات والألوان الطبيعية، استعدادًا للأسواق الإقليمية. وأخيرًا، تهدف مرحلة النضج والابتكار إلى التخصص والمنافسة العالمية عبر تطوير منتجات دوائية وتجميلية عالية القيمة والاستثمار المكثف في البحث والتطوير.

لضمان المساءلة والتحسين المستمر، يعتمد النموذج حزمة مؤشرات أداء رئيسية متوازنة تقيس الأثر الاقتصادي (كنسبة القيمة المضافة في الصادرات ومتوسط دخل المزارع)، والاجتماعي (كمشاركة النساء والشباب وفرص العمل الجديدة)، والفني والبيئي (كخفض نسبة الفاقد واعتماد الممارسات المستدامة).

تقييم الأثر المتوقع والتوصيات المحورية

يتوقع أن يحقق تطبيق هذا النموذج أثرًا تحويليًا على عدة مستويات:

· على الفرد (المزارع/المنتج): تحول من بائع خام تحت رحمة السوق إلى شريك مستقر في سلسلة قيمة منظمة، مع استقرار في الدخل وخلاص من فخ الوسطاء.

· على المجتمع: خلق فرص عمل لائقة، خاصة للشباب والنساء في الريف، وتقليل الهجرة الداخلية، وبناء اقتصاد محلي دائري أكثر حيوية.

· على الدولة: تحسين جذري في ميزان المدفوعات عبر تصدير منتجات مصنعة أعلى قيمة، والحد من الضغط على العملة الصعبة، وبناء سمعة وطنية جديدة كمنتج للمواد الطبيعية عالية الجودة.

لتحقيق هذه الرؤية، تُقدّم الحزمة التالية من التوصيات:

1. توصية تشريعية وسياساتية فورية: تشكيل لجنة تأسيسية للمجلس الأعلى خلال 90 يومًا، وصياغة قانون شامل للزراعة التعاقدية العادلة، وإقرار سياسة تصديرية تحفّز التصنيع وتُقيّد تصدير الخام.

2. توصية تنفيذية أولوية (مشروع المنارة): إطلاق مشروع تجريبي متكامل لمنتج واحد (كالكركديه) في منطقة رائدة خلال 6 أشهر، ليكون نموذجًا عمليًا قابلاً للقياس والتكرار.

3. توصية لتمكين البنية التحتية التقنية: تطوير منصة رقمية وطنية تربط المزارع بالتعاونيات والمصنّع والسوق، وتوفر خدمات التسجيل والتتبع والعرض الاستثماري.

4. توصية لتحفيز الابتكار والاستثمار الخاص: إنشاء صندوق لضمان مخاطر الاستثمار التصنيعي الأولي، وإطلاق برامج بحثية تطبيقية تنافسية في الجامعات ترتبط مباشرة بالصناعة.

5. توصية للمراقبة والتقويم المستمر: إلزام المجلس الأعلى بإصدار تقرير دوري علني لأداء سلاسل القيمة، وربط التمويل والتوسع بتحقيق الأهداف المحددة.

من الرؤية إلى خارطة التعافي والمنافسة

يمثّل إنشاء هذا النموذج الهجين لإدارة سلاسل القيمة نقلة استراتيجية حاسمة. أكثر من كونه إطارًا تنظيميًا، فهو أداة فعالة لإعادة الإعمار الاقتصادي والاجتماعي، وخلق فرص عمل سريعة ومنخفضة التكلفة، وتمكين المجتمعات الريفية وخاصة النازحين والعائدين. إنه يجسّد رؤية تستثمر في الميزة النسبية البيئية والمناخية للسودان، وتقدم الزراعة الذكية كرد عملي على التغير المناخي، وتحوّل الخصائص المحلية إلى عنصر جذب تسويقي عالمي.

تحويل الميزة النسبية البسيطة إلى ميزة تنافسية مستدامة هو اختبار عملي لقدرة المؤسسات الوطنية على الابتكار والإدارة الحديثة. نجاح هذا النموذج مع منتج واحد سيكون البرهان الحي الذي يفتح الطريق لتعميمه على كافة موارد البلاد، مؤسسًا لمسار تنموي حقيقي يبدأ من الأرض، يصل بالإنسان إلى الكرامة الاقتصادية، ويصل بالاقتصاد الوطني إلى مصاف المنافسة العالمية.

شكر وتوثيق علمي

تُعدّ معظم هذه المقالات نتاجًا معرفيًا مباشرًا لدراسة الدكتوراه في الإدارة العامة – التخطيط الاستراتيجي، والتي أُنجزت تحت إشراف علمي رفيع المستوى، في إطار مشروع علمي طرحته جامعة أم درمان الإسلامية بوصفه رؤية استراتيجية للخروج من الأزمات المتكررة التي تمر بها البلاد، وجاءت الدراسة بعنوان:

الآثار الاقتصادية والاجتماعية للاستراتيجية الزراعية بالتطبيق على مشروع الجزيرة (2007–2020م).

كان المشرف الرئيس على الدراسة البروفيسور الريح النعيم الحاج الخليفة، أحد أبرز خريجي جامعة الخرطوم، ورئيس قسم الاقتصاد والتنمية الريفية بجامعة أم درمان الإسلامية. كما ترأس البروفيسور هاشم أحمد العبيد، رئيس معهد الدراسات الإنمائية بجامعة الخرطوم، لجنة تحكيم الدراسة، وأسهم بدور علمي محوري في توجيهها وتقويمها.

كما تلقّت الدراسة دعمًا علميًا وفكريًا منذ مراحلها الأولى من كلٍّ من البروفيسور محمد حسين أبو صالح والمرحوم د.عباس كورينا، حيث قدّما مساندة معرفية ومنهجية مقدّرة أسهمت في بلورة الفكرة وتطوير مسارها البحثي. نسأل الله أن يتغمد الفقيد د . عباس كورينا بواسع رحمته ويسكنه فسيح جناته

وكان في خدمة هذا المشروع البحثي عدد من الأساتذة والباحثين والزملاء، يطول المقام عن ذكر أسمائهم جميعًا، لهم جميعًا خالص الشكر والتقدير.

وقد شهدت الدراسة مراحل تفكير وتحضير مبكرة، أعقبها تطوير وتحويل الفكرة إلى مشروع بحثي متكامل، واكتملت الدراسة في صورتها النهائية في أكتوبر 2021م بتقدير ممتاز من جامعة أمدرمان الإسلامية – معهد الدراسات الاستراتيجية.

وتُعبّر هذه المقالات عن اجتهاد الباحث ورؤيته التحليلية المستقلة في تطوير مخرجات الدراسة وربطها بالواقع الراهن.

leader

صحيفة الكترونية تهتم بالشأن السوداني

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى