مقالات

ملف الأراضي: مهدد التخطيط الحضري والتنمية في السودان

بقلم : د. محمد صلاح علي الفكي

 

ملف الأراضي: مهدد التخطيط الحضري والتنمية في السودان

يمثل ملف الأراضي عنق الزجاجة الحقيقي لأي مشروع تنموي حضري في السودان، إذ لا تكفي جودة الرؤى التخطيطية ولا وفرة الموارد المالية لإنجاح أي مشروع عمراني ما لم تُعالج قضية الأرض ضمن إطار مؤسسي مستقل وقوي وشفاف. فقد أثبتت التجارب السودانية المتعاقبة أن تجاهل تعقيدات ملكية الأراضي أو معالجتها بصورة جزئية يؤدي حتماً إلى تعطيل المشاريع، وتصاعد النزاعات، وإهدار الاستثمارات العامة والخاصة.

وتكمن خطورة ملف الأراضي في كونه لا يمثل مجرد مورد اقتصادي، بل يتشابك مع بنية السلطة السياسية، والهوية القبلية، والتاريخ الاجتماعي للصراعات، وشبكات النفوذ المحلي، إضافة إلى كونه أحد أهم بؤر الفساد المؤسسي في أجهزة الدولة. ولهذا، تشير تقديرات الخبراء والممارسين في المجال في السودان إلى أن ما يقارب 80% من تعثر المشروعات الكبرى – من سدود ومدن جديدة ومناطق صناعية وشبكات طرق واستثمارات زراعية – كان سببه الأساسي النزاعات حول الأرض، لا ضعف التمويل أو قصور التصميم الهندسي. وهذا الواقع تجسد عملياً في تعثر مشاريع سدود كبيرة بسبب نزاعات إعادة التوطين، وتأخر مخططات التوسع العمراني للخرطوم الكبرى نتيجة التداخلات القبلية في ملكية الأراضي، وتعطيل استثمارات زراعية واعدة في مناطق مثل القضارف والنيل الأبيض بسبب غياب السجلات الواضحة للملكيات.

ولفهم عمق هذه الأزمة، يجب العودة إلى جذورها التاريخية التي تعود إلى الحقبة الاستعمارية، حيث وضعت قوانين الأراضي الأولى إطاراً ازدواجياً فصل بين الأراضي الحكومية والأراضي القبلية. وقد استمر هذا الازدواج بعد الاستقلال، حيث تفاقم التعقيد بفعل تداخل القوانين الرسمية مع الأعراف التقليدية، وتحولت الأرض إلى أداة للتمكين السياسي والاقتصادي، مما عمق من تشابك الملف وأفرز نزاعات متوارثة يصعب حلها ضمن الأطر التقليدية. وقد زاد هذا التعقيد بسبب تعدد وتداخل أنواع الأراضي وطبيعة ملكيتها، بدءاً من الأراضي الحضرية ذات القيمة التسويقية العالية، مروراً بالأراضي الزراعية الإنتاجية التي تشهد تداخلاً حاداً بين الملكية الرسمية والعرفية، وصولاً إلى الأراضي ذات الملكيات العرفية البحتة في المناطق الريفية والمشاع القبلي.

ومن منظور الإدارة الحديثة والتخطيط العمراني المستدام، لم تعد قضايا الأراضي تُعالج كملف قانوني تقليدي، بل كأحد محاور الحوكمة التنموية الشاملة. إذ تؤكد أدبيات منظمة الأمم المتحدة للمستوطنات البشرية (UN-Habitat) والبنك الدولي على أن نجاح المدن الجديدة والمشروعات الاستراتيجية مرهون بوجود نظم حوكمة أراضٍ واضحة، سريعة الحسم، عادلة التعويض، ومحمية من التدخلات السياسية والقبلية. كما تبرز مفاهيم أمن الحيازة، والإدارة المتكاملة للأراضي، والتخطيط المرتكز على الحقوق كمرتكزات أساسية للاستقرار الحضري وجذب الاستثمار.

ويمثل مقترح إنشاء محكمة أراضي تنموية خاصة أو مفوضية مستقلة لأراضي المدن الجديدة أحد الحلول الاستراتيجية التي أثبتت فعاليتها في دول خرجت من نزاعات عميقة مثل رواندا، وإثيوبيا، وجنوب أفريقيا، وفيتنام. فقد خفضت رواندا، على سبيل المثال، نزاعات الأراضي بنسبة كبيرة خلال عقد واحد من خلال محاكم متخصصة ساهمت في تسريع الفصل في القضايا. وقد تميزت تجارب هذه الدول بإنشاء هيئات متخصصة تتمتع بسلطة مركزية واضحة، وتعمل بنظم تسجيل رقمية موحدة، وتفصل في النزاعات بعيداً عن التأثيرات السياسية المباشرة. وقد أسهمت هذه الآليات بصورة مباشرة في تسريع تنفيذ المشاريع الكبرى، وخفض النزاعات، وتحسين مناخ الاستثمار.

وانطلاقاً من خصوصية الواقع السوداني وتعقيداته، تبرز الحاجة إلى إنشاء آلية سيادية مستقلة لحوكمة الأراضي التنموية، تتولى إدارة ملف الأراضي المرتبط بالمدن المتخصصة والعاصمة الإدارية الجديدة والمشروعات القومية الكبرى. وتتمثل هذه الآلية في مفوضية أراضي التنمية الحضرية المتوازنة، تختص بحصر وتوثيق الأراضي، وتسوية النزاعات، ونزع الملكية للمنفعة العامة وفق معايير العدالة والتعويض العادل، وتخصيص الأراضي للمشروعات الاستراتيجية بشفافية وكفاءة، بما ينسجم مع الخطط العمرانية الوطنية.

ولضمان نجاح هذه الآلية، يجب الأخذ في الاعتبار المخاطر المحتملة، مثل إمكانية تسييس المفوضية نفسها، أو مقاومة أصحاب النفوذ التقليديين، أو ضعف القدرة التنفيذية. وهذا يتطلب تحصينها قانونياً بضمانات استقلال كافية، وربطها بآليات رقابة مستقلة يرأسها هيئة رقابية واضحة، يُفضل أن تكون لجنة مشتركة من ديوان المراجعة القومي ولجنة برلمانية مختصة بالتنمية العمرانية. كما يتطلب نجاحها تأمين استدامتها المالية من خلال نموذج تمويلي متعدد المصادر يشمل تخصيصاً من الموازنة العامة للإنشاء والتشغيل الأولي، ورسوماً على الخدمات التي تقدمها للمستفيدين، واستقطاب منح ودعم فني من شركاء التنمية الدوليين المهتمين بدعم الحوكمة والإصلاح المؤسسي.

ويساند عمل المفوضية إنشاء محكمة أراضي تنموية خاصة تعمل بنظام الفصل السريع، وتختص حصرياً بالنزاعات المتعلقة بمشروعات التنمية القومية والمدن الجديدة، وتصدر أحكاماً ملزمة محمية من التعطيل الإداري والتدخلات غير المؤسسية. وترتبط هاتان المؤسستان مباشرة بالمجلس الأعلى للتنمية المتوازنة والمستدامة، مع ضمان استقلاليتهما القانونية والمالية، بما يرسخ مبدأ سيادة القانون في إدارة الموارد الأرضية.

ويؤدي هذا الإطار المؤسسي إلى ربط ملف الأراضي بصورة مباشرة بمحاور الحوكمة الرشيدة، والتمويل التنموي، والاستقرار المجتمعي. فوضوح ملكية الأراضي وسرعة حسم النزاعات يقللان مخاطر الاستثمار، ويشجعان الشراكات مع القطاع الخاص، ويحدان من النزاعات القبلية، ويعززان ثقة المواطنين في الدولة ومؤسساتها. كما يسهم ذلك في تحويل الأرض من مصدر صراع مزمن إلى ركيزة استقرار وتنمية مستدامة، مما ينعكس إيجاباً على الاقتصاد الكلي. فالإصلاح الشامل لملف الأراضي يتوقع أن يحفز الناتج المحلي بنسبة تقدر بنحو 1.5% إلى 2.5% سنوياً خلال السنوات الخمس الأولى، من خلال إطلاق المشاريع المتعثرة وجذب الاستثمارات الجديدة. حيث تشير التقديرات إلى أن ما يقارب 15 إلى 20 مشروعاً قومياً كبيراً متعثراً حالياً بقيمة إجمالية تتراوح بين 5 إلى 8 مليارات دولار يمكن أن تعود للحياة الفعلية بعد معالجة نزاعات أراضيها. كما يقلل الإصلاح من التكاليف الباهظة التي تتحملها الدولة نتيجة النزاعات الممتدة وإهدار الموارد، ويسهم في تحسين التصنيف الائتماني والاستثماري للبلاد، مما يفتح أبواب التمويل الدولي والشراكات التنموية. ويقدر الخبراء الاقتصاديون أن التكاليف السنوية المباشرة وغير المباشرة للنزاعات العقارية في السودان تصل إلى مئات الملايين من الدولارات، وهو ما يمكن توفير جزء كبير منه لتمويل برامج تنموية أخرى.

وتظهر التجارب الدولية الحديثة أن التخطيط الحضري الناجح لا يقتصر على التصميم الفيزيائي للمدن والبنى التحتية، بل يعتمد على هندسة الواقع السياسي والاجتماعي المعقد عبر مؤسسات قوية قادرة على إدارة الموارد الحساسة، وعلى رأسها الأرض. وهو ما مكّن دولاً عديدة من تجاوز إرث الصراعات وتحقيق نهضات عمرانية وتنموية متسارعة.

وفي ضوء ما سبق، يصبح التعامل مع ملف الأراضي كمحور مستقل في منظومة التنمية ضرورة استراتيجية تفسر سبب تعطل عشرات المشروعات القومية في السودان عبر العقود، حيث كان غياب الحوكمة الفعالة للأراضي أحد أكبر معوقات التخطيط الحضري والتنمية الاقتصادية والاجتماعية.

وتتجسد التوصيات العملية في خطة مرحلية تشمل:

أولاً: إجراءات قصيرة المدى (خلال السنة الأولى):

· الإسراع بإصدار تشريع قومي موحد لحوكمة الأراضي التنموية، مع تحديد مرحلة قانونية انتقالية واضحة تشمل تعليق العمل بالمواد المتضاربة في القوانين القديمة مؤقتاً لحين دمجها أو إلغائها بشكل نهائي في النسخة الموحدة.

· إنشاء النواة المؤسسية للمفوضية والمحكمة المتخصصة بصلاحيات سيادية واضحة.

· إطلاق برامج مجتمعية مكثفة للتوعية بحقوق الأرض وآليات التعويض العادل، مع إشراك قيادات المجتمع المدني والإدارات الأهلية وزعماء المجتمعات المحلية كشركاء في عملية الوساطة وبناء الثقة ومنع الصراعات.

· تصميم وإطلاق برامج تأهيلية عاجلة لبناء القدرات البشرية، تشمل تدريب دفعات أولى من القضاة المتخصصين في نزاعات الأراضي، وإعداد خبراء في الوساطة والتسوية، وتأهيل كوادر تقنية لإدارة نظم الحوكمة الرقمية الجديدة.

ثانياً: إجراءات متوسطة المدى (خلال سنتين إلى ثلاث سنوات):

· تطوير وربط نظم تسجيل الأراضي بنظام رقمي شفاف يمنع التلاعب والتداخلات القبلية والإدارية.

· إدماج ملف الأراضي ضمن كل دراسة جدوى للمشروعات الكبرى كشرط أساسي للتمويل.

· تعزيز قدرات المفوضية والمحكمة وتوسيع نطاق عملهما.

ثالثاً: إجراءات طويلة المدى (خلال أربع سنوات فما فوق):

· تحقيق التكامل الكامل بين جميع سجلات الأراضي في النظام الرقمي الوطني.

· تقييم وتطوير أداء المؤسستين بناءً على المؤشرات الميدانية.

· تعميم نموذج الحوكمة المتخصصة على جميع المشاريع التنموية في مختلف الولايات.

ولقياس نجاح هذا الإطار المؤسسي وتحقيق أهدافه، يجب وضع مؤشرات أداء رئيسية واضحة وقابلة للقياس، منها:

1. مؤشرات الكفاءة المؤسسية: مثل نسبة القضايا المنظورة التي يتم الفصل فيها سنوياً، مع استهداف تحقيق نسبة 90% على الأقل بحلول العام الخامس للتشغيل، ومتوسط زمن الفصل في النزاعات، مع استهداف تقليصه إلى أقل من 6 أشهر خلال السنوات الثلاث الأولى.

2. مؤشرات التأثير التنموي: مثل عدد المشاريع القومية والاستثمارية الكبرى التي انطلقت أو استؤنفت بعد تسوية نزاعات أراضيها، مع استهداف تسهيل انطلاق 10 مشاريع كبرى سنوياً اعتباراً من العام الثالث، ونسبة الانخفاض السنوي في الشكاوى والنزاعات المسجلة ذات الصلة بالأراضي، مع استهداف انخفاض بنسبة 20% سنوياً.

3. مؤشرات الثقة المجتمعية والاستقرار: مثل نسبة المواطنين الذين يعبرون عن ثقتهم في آليات تسوية النزاعات، مع استهداف تحقيق ثقة 70% من المجتمع المستهدف خلال خمس سنوات، ومؤشر انخفاض النزاعات القبلية العنيفة المرتبطة بالأرض، مع استهداف خفضها بنسبة 30% سنوياً.

4. المؤشر المالي والاقتصادي: وهو تتبع نسبة التوفير في التكاليف المباشرة وغير المباشرة المرتبطة بنزاعات الأراضي، مع استهداف تحقيق وفر يصل إلى 40% من التكلفة السنوية الإجمالية المقدرة قبل الإصلاح، وذلك خلال السنوات الخمس الأولى.

كما يجب وضع إطار لإدارة المخاطر الطارئة التي قد تواجه عملية الإصلاح، مثل تجدد النزاعات المسلحة المحلية، والذي يمكن التصدي له من خلال آليات الوساطة المجتمعية الطارئة والتنسيق الأمني الوقائي. وكذلك خطر الفشل التقني المؤقت للنظام الرقمي، والذي يستلزم وجود نسخ احتياطية ونظام يدوي بديل. وأخيراً خطر المقاومة المجتمعية العنيفة، والذي يجب معالجته من خلال تعزيز الحوار المجتمعي المسبق وضمان الشفافية الكاملة في عمليات نزع الملكية والتعويض.

بوابة التحول من الفوضى إلى التنمية المستدامة

أن النهضة العمرانية في السودان لن تقوم على المخططات وحدها، ولا على التمويل فقط، بل على إدارة ذكية وعادلة للأرض بوصفها المورد الأكثر حساسية وتأثيراً في الواقع السياسي والاجتماعي والاقتصادي. فإصلاح ملف الأراضي هو البوابة الحقيقية لتحويل التخطيط من وثائق جميلة إلى تنمية حقيقية مستدامة، ولتحويل الصراع إلى استقرار، والتعطيل إلى إنجاز، والفوضى إلى حوكمة رشيدة تقود السودان نحو مستقبل حضري متوازن وآمن ومزدهر.

ويتجسد الأثر التحويلي المتوقع في مقارنة واضحة بين الوضع الحالي المتعثر وما يمكن تحقيقه بعد الإصلاح الشامل. فبينما يُهدر حالياً ما قيمته مليارات الدولارات من الاستثمارات في مشاريع متوقفة، وتُفقد فرص تنموية بسبب نزاعات قد تمتد لعقود، يمكن للإطار المؤسسي المقترح أن يحول هذه الديناميكية تماماً. فبدلاً من نزاعات تمتد لسنوات، ستصبح الفترة الزمنية لأي نزاع محصوراً بأشهر. وبدلاً من مشاريع متعثرة، ستتحول إلى محفظة من الفرص الاستثمارية النشطة. وبدلاً من مجتمع مشتت بالصراعات، سينشأ مجتمع أكثر استقراراً وثقة بمؤسساته. هذا التحول استثمار استراتيجي في مستقبل السودان الحضري والاقتصادي، حيث تُستبدل التكاليف الباهظة للنزاع بقيمة مضافة حقيقية للناتج المحلي الإجمالي ورفاهية المواطن.

ومن الأهمية بمكان أن يعمل هذا الإطار المؤسسي الجديد بتكامل وثيق مع السياسات الوطنية للإسكان والتخطيط الإقليمي، لضمان تخصيص الأراضي بشكل عادل وفعال لمشاريع الإسكان الميسر، ولتعزيز التوازن التنموي بين الأقاليم. كما يجب أن يتواءم مع إستراتيجيات إدارة الموارد الطبيعية، لتحقيق الاستخدام الأمثل للأراضي وحماية الموارد للأجيال القادمة.

leader

صحيفة الكترونية تهتم بالشأن السوداني

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى