مقالات

بين فرحة العودة ورؤية التنمية: حين تتجاوز الاستراتيجية الاستجابة اللحظية

بقلم : د. محمد صلاح علي الفكي

 

بين فرحة العودة ورؤية التنمية: حين تتجاوز الاستراتيجية الاستجابة اللحظية

مفرح لي، ولكل مواطن، خبر عودة مطار الخرطوم القديم والناقل الوطني سودانير. وأنا، كأحد أبناء الخرطوم، أحمل هم العودة إليها، ويبعث في نفسي هذا الحدث شعورًا جميلًا بالانتماء والفخر بوجود ناقل وطني يمثلنا كما هو حال بقية الدول.

هذا الإحساس الإنساني طبيعي ومشروع، بل ومطلوب في لحظات التعافي بعد الأزمات. غير أن الخطورة تكمن حين تتحول الاستجابات العاطفية إلى قرارات تنموية تتخذ بمعزل عن الرؤية الاستراتيجية الشاملة.

فعالم اليوم لا يدار بالمشاعر، مهما كانت نبيلة، وإنما يدار بالرؤى بعيدة المدى التي تعالج جذور المشكلات لا مظاهرها. والاستراتيجية الحديثة لا تقوم على الترميم السريع، بل على ما يشبه الجراحة العميقة التي تصلح الخلل من أساسه وتعيد بناء المنظومات بصورة مستدامة.

إن قضية مطار الخرطوم القديم ليست معضلة فنية أو مالية بقدر ما هي قضية رؤية تنموية متكاملة. فالرؤية الاستراتيجية موجودة، وخيارات التمويل متعددة وواضحة، ولا تحتاج إلى اجتهادات وقتية أو حلول مؤقتة.

وفي هذا السياق، تبرز رؤية المدن المتخصصة والتنمية المتوازنة والمستدامة كإطار استراتيجي وطني يعالج جذور الاختلالات التاريخية في توزيع السكان والأنشطة الاقتصادية. حيث يعمل المجلس الأعلى للتنمية المتوازنة والمستدامة على تحويل الخرطوم إلى عاصمة سيادية سياحية حديثة، تقوم على الوظائف الخدمية الراقية، مع إنهاء مظاهر التكدس السكاني والفوضى والعشوائية التي أرهقت بنيتها التحتية وأفقدتها قدرتها على النمو الصحي.

وتنص هذه الرؤية بوضوح على أن تكون بداية العودة الحقيقية للخرطوم عبر الإنتاج في ولايات الإنتاج نفسها، من خلال نقل المصانع إلى مواقع توفر المواد الخام، وربط التنمية الصناعية بالموارد المحلية، بدل تركّزها في العاصمة. كما تدعو إلى نقل الجامعات الحكومية والخاصة إلى الولايات الإنتاجية، لربط المعرفة مباشرة بالإنتاج، والحد من الهجرة التعليمية التي عمقت الاختلال السكاني والاقتصادي في الخرطوم.

وانطلاقًا من هذا المنهج، فإن الرؤية الاستراتيجية تقضي بإنشاء مطار دولي حديث خارج الخرطوم بالقرب من المدينة الإدارية الجديدة، ليخدم المنظومة السيادية واللوجستية الوطنية المستقبلية، بينما يتم تحويل موقع مطار الخرطوم الحالي إلى حديقة عامة كبرى ومتنفس حضري طبيعي، يرفع جودة الحياة ويعزز البعد السياحي والبيئي للعاصمة، كما فعلت ألمانيا عندما حولت مطار برلين تيمبلهوف إلى حديقة شعبية كبرى تخدم المدينة بعد إنشاء مطار برلين براندنبورغ الحديث.

كما تقوم الرؤية على إنشاء مطارات دولية في ولايات الإنتاج عبر نظام البناء والتشغيل والتحويل، كما فعلت تركيا بنجاح في إنشاء مطار إسطنبول الجديد الذي حول المدينة إلى مركز لوجستي عالمي، ما أسهم في ربط المناطق الإنتاجية مباشرة بالأسواق العالمية، وتقليل الضغط على العواصم المركزية، وتحقيق تنمية إقليمية متوازنة.

وعليه، فإن عودة مطار الخرطوم القديم بشكله التقليدي تؤكد، من منظور استراتيجي، السير عكس هذه الرؤية التنموية الشاملة، وتعيد إنتاج المركزية والاختناق العمراني، بدل الانتقال إلى نموذج المدن المتخصصة والتنمية المتوازنة المستدامة.

لكن الابتعاد عن هذه الرؤية، والمضي في حلول لحظية ترضي الشعور الآني دون معالجة جذرية، يخلق فجوة خطيرة في تنفيذ الاستراتيجيات، ويفتح الباب لهدر الموارد والجهود. تشير دراسات الاقتصاد الحضري إلى أن التمركز المفرط في الخرطوم يكبد الاقتصاد خسائر تقدر بمليارات الجنيهات سنوياً بسبب الازدحام وارتفاع تكاليف المعيشة وضعف الربط مع مناطق الإنتاج. وفي منطق الإدارة الحديثة، فإن تجاهل الرؤية الواضحة والانحراف عنها يعد شكلاً من أشكال الفساد الإداري، لأنه يعطل التنمية ويستنزف الإمكانات دون تحقيق أثر مستدام.

والرؤية الاستراتيجية، بخلاف ما يظن، ليست مجرد دراسات جدوى أو تصاميم هندسية، بل هي إطار شامل يرتبط بالإنتاج، والتنمية المتوازنة، والاستدامة الاقتصادية والاجتماعية، ويضع كل مشروع في موقعه الصحيح ضمن منظومة وطنية متكاملة.

الفرح بعودة مطار الخرطوم القديم شعور إنساني نبيل، لكن تحويل هذا الفرح إلى قرارات لحظية دون الالتزام بالرؤية التنموية الشاملة يكرس فجوة التنفيذ ويهدر الموارد. التنمية الحقيقية لا تستجيب للعاطفة، بل تعالج الجذور وفق استراتيجية إنتاجية مستدامة.

توصيات:

· الالتزام الصارم بالرؤية الاستراتيجية الوطنية لقطاع النقل والمطارات دون حلول وقتية.

· ربط تطوير المطارات بمنظومة الإنتاج والتجارة والاستثمار لا بمجرد التشغيل الرمزي، مع إعطاء أولوية للربط الجوي المباشر بين مناطق الإنتاج الزراعي والحيواني والتعديني والأسواق العالمية.

· اعتماد نموذج الشراكات الاستراتيجية كخيار تمويلي مستدام.

· إنشاء جهاز مستقل لمتابعة تنفيذ المشاريع الاستراتيجية ومنع الانحراف عنها، يتمتع بصلاحيات رقابية وتقريرية مباشرة إلى أعلى مستوى، ويملك أداة وقف التمويل للمشاريع المنحرفة عن الخطة الاستراتيجية.

· اعتبار أي تجاوز للرؤية المعتمدة هدراً للموارد يحاسب عليه إداريًا وقانونيًا.

إن الأمم لا تنهض بالقرارات اللحظية، ولا تبني مستقبلها بالحلول المؤقتة، بل ترتقي حين تحترم رؤاها الاستراتيجية وتلتزم بتنفيذها مهما تعارضت أحيانًا مع العاطفة الآنية أو الضغط الشعبي.

عودة مطار الخرطوم القديم يمكن أن تكون شرارة نهضة حقيقية إذا وضعت في إطار التنمية المتوازنة والمدن المتخصصة والاقتصاد الإنتاجي، ويمكن في المقابل أن تتحول إلى فرصة مهدرة أخرى إذا خضعت لمنطق الاستجابة السريعة دون رؤية.

المعركة الحقيقية ليست في إعادة التشغيل، بل في إعادة بناء النموذج التنموي للدولة.

وليست في إرضاء الشعور اللحظي، بل في صناعة أثر مستدام للأجيال القادمة.

فالاستراتيجية ليست ضد الفرح، بل هي التي تحول الفرح إلى إنجاز، وتحول اللحظة إلى مستقبل، وتحول العودة إلى نهضة وطنية.

leader

صحيفة الكترونية تهتم بالشأن السوداني

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى