مقالات

المعدن الذي لا يشيخ: الذهب والصراع العالمي 

بقلم : د. محمد صلاح علي الفكي

 

المعدن الذي لا يشيخ: الذهب والصراع العالمي 

في عالمٍ يتغيّر بسرعة، وتتعرض فيه العملات والأسواق لهزّات متلاحقة، يظل الذهب ثابتًا في موقعه كملاذٍ سيادي ولغةٍ عالمية للثقة. فالمستقبل لا يكافئ من يملك الموارد، بل من يحسن إدارتها في الزمن الصحيح. ومن يمتلك الذهب دون استراتيجية، كمن يمتلك مفتاحًا دون باب. من هنا، لا يُنظر إلى الذهب كمعدنٍ نفيس فحسب، بل كأصل استراتيجي يعكس ميزان القوة، ويكشف عمق الرؤية الاقتصادية للدول، ويشكّل أحد محاور الصراع العالمي الصامت على الاستقرار والسيادة.

 منهجية: طبيعة الرؤية وإطارها

هذه رؤية سياسات واستشراف استراتيجي تهدف إلى:

1. تقديم إطار تحليلي متعدد الأبعاد للصراع العالمي على الذهب.

2. تقييم الفرص والمخاطر في المشهد الحالي والمستقبلي.

3. تقديم توصيات قابلة للتنفيذ مصنفة حسب الأولوية الزمنية والمستوى المؤسسي.

يستند التحليل إلى مراجعة التقارير الصادرة عن مجلس الذهب العالمي، وصندوق النقد الدولي، وبيانات البنوك المركزية الكبرى، وشركات الأبحاث المتخصصة (مثل ميتالز فوكاس)، مع التركيز على السنوات 2024-2026 كمحور زمني للتحليل.

ثبات في عالم متغير

منذ أن أدرك الإنسان قيمة الذهب، لم يكن مجرد معدن ثمين، بل رمزًا للاستقرار والقوة والسيادة. فهو المادة الوحيدة تقريبًا التي احتفظت بقيمتها عبر الحضارات، ولم تفقد دورها رغم تغيّر أنماط الاقتصاد، من المقايضة إلى الاقتصاد الرقمي. هذا الثبات الاستثنائي هو ما جعله محور تنافس عالمي متصاعد، يشتد كلما اهتزت الثقة في العملات والأسواق.

1. الصراع على الذهب: تعريف الإطار التحليلي

يجب أولاً تحديد المقصود بـ “الصراع العالمي على الذهب”، وهو ليس حربًا عسكرية مكشوفة، بل صراع متعدد الأبعاد:

· البُعد الاقتصادي-النقدي: صراع بين من يعتبر الذهب غطاءً نهائيًا للثروة والثقة، وبين نموذج العملات الورقية غير المدعومة (الفيات).

· البُعد الجيوسياسي: صراع على السيطرة على مصادر الإنتاج ومسارات التوريد، حيث تُستخدم الاحتياطيات كأداة للضغط أو تحقيق الاستقلال الاستراتيجي.

· البُعد التكنولوجي: سباق نحو تطوير تقنيات استخراج واستخلاص أكثر كفاءة ونظافة، بما فيها “التعدين الحضري” الذي حوّل مدافن النفايات الإلكترونية إلى مناجم واعدة.

2. معرفة الإنسان بالذهب – من الرمز إلى الأداة

عرف الإنسان الذهب مبكرًا لندرته، ولمعانه، ومقاومته للتآكل، فارتبط بالقداسة والسلطة والجمال. ومع تطور المجتمعات، تحوّل الذهب تدريجيًا من رمز ديني وسيادي إلى وسيط للتبادل، ثم إلى غطاء نقدي للنقود، قبل أن يستقر اليوم كأداة تحوط استراتيجية في مواجهة المخاطر الاقتصادية والمالية. لم يفقد الذهب وظيفته عبر الزمن، بل أعاد تعريف أدواره بما يتلاءم مع كل مرحلة تاريخية.

3. مجالات الاستخدام الحديثة: شبكات الاقتصاد العصبية

لم يعد الذهب حبيس الحُلي أو خزائن البنوك المركزية، بل دخل بقوة في بنية الاقتصاد الحديث، حيث يُستخدم في الاحتياطات النقدية السيادية، والصناعات الإلكترونية الدقيقة، والتقنيات الطبية والحيوية، والصناعات العسكرية والفضائية، إضافة إلى كونه أداة استثمارية رئيسية للتحوط من التضخم وعدم اليقين. هذا التعدد في الاستخدامات جعل الذهب أصلًا استراتيجيًا متعدد الأبعاد، وزاد من حدة التنافس العالمي عليه.

4. الثورة الخضراء والتعدين الحضري: تحول استراتيجي في الصراع

يتصاعد الاهتمام عالميًا باستخلاص الذهب من النفايات الإلكترونية، مما يضيف بعدًا جديدًا للصراع التقليدي القائم على مناجم الأرض. أصبح “التعدين الحضري” ساحة تنافس تكنولوجي واستراتيجي، حيث:

· تحتوي النفايات الإلكترونية على تركيزات من الذهب قد تزيد عن الخامات الطبيعية بأضعاف.

· توصلت بحوث، كتلك التي أُعلن عنها في جامعة فلندرز الأسترالية، لطرق صديقة للبيئة لاستخلاص الذهب باستخدام مركبات قابلة لإعادة التدوير، بدلاً من المواد السامة التقليدية.

· نجح فريق بحثي صيني في تطوير تقنية تستخلص الذهب من النفايات الإلكترونية بكفاءة تتجاوز 98% في أقل من 20 دقيقة، وبتكلفة تُقدَّر بحوالي 1455 دولاراً للأوقية، وهي أقل بكثير من السعر السوقي الذي يتجاوز 5000 دولار. هذا يحول النفايات من مشكلة بيئية إلى مورد استراتيجي ذي عائد مالي مرتفع وجدوى بيئية.

5. السياق الحالي المتأجج: لماذا يشتد الصراع الآن؟

يرتبط تصاعد الصراع على الذهب في المشهد المعاصر بعوامل متداخلة، أبرزها تآكل الثقة في العملات الورقية، وتصاعد الاضطرابات الجيوسياسية، وإعادة تشكيل النظام المالي.

· دور البنوك المركزية: تشتري البنوك المركزية حول العالم الذهب بوتيرة تاريخية لتنويع احتياطاتها وتقليل الاعتماد على الدولار الأمريكي.

· العوامل الجيوسياسية: تؤدي التوترات السياسية، كالحروب والصراعات التجارية، إلى زيادة الطلب على الذهب كملاذ آمن.

· توقعات أسعار قياسية: تتوقع مؤسسات مالية كبرى مثل “جيه بي مورغان” و “بنك أوف أمريكا” وصول سعر الذهب إلى نحو 5000 دولار للأوقية بحلول الربع الأخير من 2026، بل إن بعض التوقعات تتحدث عن متوسط قد يصل إلى 5375 دولاراً مع ذروة عند 6400 دولار.

6. خريطة القوة: دول الاحتياطات والإنتاج والمخزون الكامن

أ. الدول ذات أكبر احتياطيات ذهب (تقديرات 2025-2026):

1. الولايات المتحدة: حوالي 8,133 طنًا متريًا.

2. ألمانيا: حوالي 3,352 طنًا متريًا.

3. إيطاليا: حوالي 2,452 طنًا متريًا.

4. فرنسا: حوالي 2,437 طنًا متريًا.

5. روسيا: حوالي 2,333 طنًا متريًا.

6. الصين: حوالي 2,235 طنًا متريًا (مع احتمال أن يكون الاحتياطي الفعلي أكبر).

ب. أكبر الدول إنتاجًا (تقديرات 2025):

1. الصين: حوالي 370 طنًا متريًا.

2. أستراليا: حوالي 310 أطنان مترية.

3. روسيا: حوالي 310 أطنان مترية.

4. كندا: حوالي 200 طن متري.

5. الولايات المتحدة: حوالي 170 طنًا متريًا.

ج. دول ذات مخزون ضخم غير مستثمر (فرص وضياع):

تتركز الفرص الضائعة في مناطق مثل غرب إفريقيا (مالي، بوركينا فاسو)، ووسطها، حيث توجد احتياطات كبيرة لكن يعيقها ضعف البنية التحتية والاستقرار. تبرز أيضًا دول مثل تنزانيا التي تجذب استثمارات جديدة في مشاريع ذات جودة عالية (تصل إلى 35.45 جرام/طن في العينات السطحية). هذا يُظهر الفارق الجوهري بين الثروة الكامنة والثروة المُدارة.

7. القضية المحورية: البُعد المؤسسي والحوكمي

في قلب إشكالية الدول ذات الموارد غير المستغلة، لا تكمن المشكلة في نقص الذهب، بل في ضعف الحوكمة المؤسسية. تشمل معضلات رئيسية:

· الفساد والإدارة الضعيفة لتراخيص التعدين.

· تهريب الذهب على نطاق واسع، مما يحرم الخزينة العامة من عوائد تصل إلى مليارات الدولارات سنويًا في بعض الدول الإفريقية.

· فجوة تشريعية بين النصوص القانونية وتطبيقها على الأرض.

· غياب الرقابة على سلاسل التوريد، مما يسهل اختلاس الثروة الوطنية.

دراسة حالة: التعدين الأهلي في غرب إفريقيا

في دول مثل مالي أو غانا، ينتج التعدين الحرفي غير المنظم كميات كبيرة (حوالي 20-30% من الإنتاج في غانا)، لكن غالبية هذه الكميات تُهرب خارج القنوات الرسمية. الفشل هنا مؤسسي: عدم القدرة على تنظيم القطاع، ودمجه في الاقتصاد الرسمي، وحماية العاملين فيه، والاستفادة من إيراداته لتنمية المجتمعات المحلية. هذه الثروة المهربة غالبًا ما تمول نزاعات محلية أو تُغذي شبكات غير مشروعة، مما يحول المورد إلى نقمة.

8. السياق العربي والإفريقي: الفرص الضائعة والمكاسب المحتملة

عربيًا، لا تحتل أي دولة عربية مراكز متقدمة في قوائم الاحتياطيات أو الإنتاج العالمي، رغم وجود كميات كبيرة غير مستكشفة. في السودان – على سبيل المثال – يُعد الذهب أكبر صادرات البلاد، لكن ضعف الإطار المؤسسي وتفكك منظومات الضبط والرقابة إلى خروج قطاع التعدين عن مساره التنموي، فتحوّل من رافعة محتملة للاستقرار الاقتصادي إلى عامل استنزاف للموارد وتعطيل لمسارات التنمية المستدامة.

وهي حالة تُجسّد فشل الحوكمة بشكل مأساوي. إفريقيًا، تسعى دول مثل ساحل العاج وغانا لتحسين شروط عقود التعدين، لكن التحدي الأكبر يبقى في تحويل العائدات إلى بنية تحتية وتنمية بشرية حقيقية، وليس فقط عائدات مالية سريعة.

9. إدارة المخاطر الاستراتيجية: منظور متكامل

أي استراتيجية للذهب يجب أن تتضمن خطة واضحة لإدارة المخاطر. تشمل المخاطر الرئيسية:

· مخاطر السوق: التقلبات الحادة في الأسعار. يجب على البنوك المركزية والشركات الوطنية وضع سياسات للتحوط الجزئي وتحديد مستويات شراء استراتيجية لتجنب الشراء في القمم.

· المخاطر التكنولوجية: التحول نحو بدائل صناعية أو اكتشاف تقنيات استخلاص منخفضة التكلفة قد تؤثر على القيمة طويلة الأجل. يجب الاستثمار في البحث والتطوير المحلي لتقنيات الاستخلاص والاستخدام الصناعي.

· المخاطر الجيوسياسية: فرض عقوبات على تداول الذهب أو مصادر معينة. يتطلب تنويع شركاء التكرير والتسويق، وتعزيز الشراكات الإقليمية.

· مخاطر “لعنة الموارد”: تحول الثروة إلى صراع داخلي. مكافحتها تتطلب مؤشرات أداء واضحة (KPIs) مثل: نسبة العائدات المدرجة في الموازنة العامة، معدل التوظيف المحلي في قطاع التعدين، نسبة القيمة المضافة المحلية من إجمالي الصادرات.

10. الاستراتيجيات الحديثة والتوصيات التنفيذية ذات الأولوية

يتطلب تعظيم العائد من الذهب استراتيجية وطنية واضحة، مع توصيات مصنفة حسب الأولوية والمستوى المؤسسي المسؤول:

أ. توصيات قصيرة الأجل (1-2 سنة): الجهة المنفذة: وزارات المالية والصناعة، الهيئات الرقابية.

1. إصلاح الحوكمة فورًا: تفعيل أنظمة الرقابة على منافذ التصدير، ومكافحة التهريب، وفرض الشفافية في عقود التعدين. المؤشر (KPI): خفض نسبة التهريب المقدرة بنسبة 20% سنوياً عبر بيانات التصدير الرسمية مقابل إنتاج المناجم المرخصة.

2. دمج التعدين الحضري في السياسات الوطنية: تشجيع إنشاء منشآت لاستخلاص المعادن من النفايات الإلكترونية. المؤشر (KPI): إنشاء مشروعين تجريبيين على الأقل في المدن الكبرى، مع قياس نسبة الاستخلاص والتكلفة.

ب. توصيات متوسطة الأجل (3-5 سنوات): الجهة المنفذة: البنوك المركزية، وزارات التخطيط والبحث العلمي.

1. بناء قاعدة المعرفة: الاستثمار في المسح الجيولوجي المتقدم وتشجيع البحث العلمي المحلي في تقنيات الاستخلاص النظيفة. المؤشر (KPI): زيادة ميزانية البحث الجيولوجي بنسبة 15% سنوياً، وتطوير نموذجين محليين على الأقل لمعالجة الخامات.

2. تطوير التشريعات: تحديث القوانين التعدينية لجذب الاستثمار الجاد مع حماية المصالح الوطنية والبيئة. المؤشر (KPI): تقليص المدة الزمنية لإصدار التراخيص بنسبة 30%، مع ضمان شفافية المناقصات.

ج. توصيات طويلة الأجل (5-10 سنوات فما فوق): الجهة المنفذة: مجالس السيادة الاقتصادية، البنوك المركزية.

1. التحول الاستراتيجي في الرؤية النقدية: دمج الذهب بشكل منهجي في احتياطيات البنك المركزي. المؤشر (KPI): زيادة نسبة الذهب من إجمالي الاحتياطيات الأجنبية إلى 10% على الأقل.

2. بناء صناعة متكاملة: الانتقال من تصدير الخام إلى تطوير صناعات تحويلية محلية. المؤشر (KPI): إقامة منطقة صناعية متخصصة في تصنيع الذهب، ورفع نسبة القيمة المضافة المحلية من صادرات الذهب إلى 25%.

من التحليل إلى الدعوة للعمل

الذهب ليس مجرد معدن نفيس، بل مرآة تعكس وعي الدول بقيمة الزمن والاستراتيجية. السؤال الذي تطرحه هذه الرؤية على صناع السياسات ليس “هل نستخرج الذهب؟”، بل “كيف نحول هذا الأصل إلى رافعة دائمة للقوة السيادية والاستقرار الاقتصادي في نظام عالمي مضطرب؟”.

الدول التي تقرأ الذهب كأداة سيادة، وتستثمر في تقنيات امتلاكه واستخلاصه المستدام (حتى من نفاياتها)، وتعالج إشكالات الحوكمة، وتدير مخاطره بذكاء، هي وحدها القادرة على تحويل الثروة – في باطن الأرض أو فوقها – إلى قوة استراتيجية دائمة، وحجز موقعها بثبات في مستقبل عالمي شديد التنافس. الذهب لا يشيخ، لكن الدول تشيخ إذا أخطأت فهم قوانين القوة في عالم اليوم.

leader

صحيفة الكترونية تهتم بالشأن السوداني

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى