مقالات

ما دام في الرماد جذر، فالغابة ستعود

بقلم : د. عبد العظيم ميرغني

ما دام في الرماد جذر، فالغابة ستعود

• من أعظم ما أنجبت البلاد في مجال الزراعة أسماء كبيرة: حسن متوكل، كامل شوقي، وميرغني محجوب، رحمهم الله.

• ويروي الراحل كامل شوقي أن المرحوم بإذن الله حسن متوكل قال لابنه حاتم ذات يوم:

لما كان عمك كامل يحذرنا في لجنة الإنشاء والتعمير من إزالة الغابات، كنا نتضايق، ولم نُعر تحذيراته اهتماماً، إلا بعد اكتساح مشاريع الزراعة الآلية للغابات وخروج أراضيها من الإنتاج بسبب الإنهاك.

• وذات هذا الحديث، يقول كامل شوقي، سمعته في الستينيات من الزراعي الكبير المرحوم ميرغني محجوب إذ قال لى بالحرف الواحد:

ظلمناك لما كنا نستخف بآرائك وحديثك عن المحافظة على الغابات.

• لم يكن ذلك الذي حدث في الستينيات تقليلًا من شأن الغابات بقدر ما كان تعبيرًا عن مناخٍ فكريٍّ ساد في تلك المرحلة، حيث طغت أولويات التوسع الزراعي السريع على الاعتبارات البيئية طويلة المدى.

• وفي وقت لاحق اذلك، عام 2005، تعرضت غابة كندوة، جنوب شرق نيالا، لإزالة شاملة لأشجارها المزروعة والطبيعية:

مهوقني ونيم وسيسو وسنط وهجليج وسدر وحراز وسيال، بفعل نازحي معسكر كلمة المجاور.

• كندة غابة كانت تمتد بطول سبعة كيلومترات وعرض أربعة كيلومترات، بمساحة محجوزة تبلغ نحو 3299 فدانًا، أي سبعة أضعاف مساحة غابة السنط بالخرطوم.

• وتعد المتنفس الطبيعي الوحيد لسكان نيالا، تحمي واديها من الانجراف، وتغذي المدينة بالمياه من أكثر من ستة عشر بئرًا.

• فضلاً عن دورها التعليمي والتدريبي وتوفير الأخشاب والمنتجات الغابية، ما يجعل الضرر الذي لحق بها خسارةً بيئيةً واجتماعيةً جسيمة.

• وفي العام 2010 حين شرعت سلطات الغابات في إعادة تأهيل الغابة لأهميتها البيئية والاجتماعية، تدخلت السلطات المحلية بقرار أوقف أي نشاط داخلها وفرض عقوبات بالسجن أو الغرامة على المخالفين، ما عرقل جهود الإعمار، رغم أن الغابة اتحادية ولا تتبع للولاية.

• وفي وقت لاحق، حين وقعت واقعة اجتزاء إحدى غابات شرق السودان في غير ضرورة لمشروع بديل، عكست التغطيات الصحفية والتصريحات الرسمية حينها مدى تدني الوعي بقيمة الغابات.

• فقد صوّرت الغابة كعائق أمام المشروع (الأهرام، 13 يونيو 2011)، ووُصفت بأنها “بضع شجيرات عجفاء” (ألوان، 7 يونيو 2011)، وصُنفت الاعتراضات بـ«زوبعة في فنجان» (التيار، 12 يونيو 2011).

• أوضحت كل التجارب منذ عهد كامل شوقي، أبو الغابات، مروراً بزمن غابة كندوة وإلى ما قبل حدوث كارثة غابة السنط، أن المناخ العام لم يكن يومًا مواتيًا للغابات كما هو الآن: وعي أكبر بالقضايا البيئية، اهتمام إعلامي متزايد.

• هذا المناخ الجديد، الذي يتبدى في التفاعل الواسع مع ما أصاب غابة السنط، بما يحمله من وعي واهتمام، يمثل فرصة نادرة لإعادة تثبيت الغابات السودانية كأصل وطني لا كترفٍ قابل للمساومة.

• ولا ينبغي أن يُفهم هذا التفاعل بوصفه استجابة لموقع الغابة في مركز العاصمة القومية فحسب، بل كدليل على تحوّل حقيقي في الوعي البيئي العام.

• فغابات الأطراف، مثل كندوة في نيالا، والعين في الأبيض، وأبو جيلي في سنار، والنور في النيل الأزرق، والرميلة في كسلا، وغيرها كثير، ظلت تؤدي أدوارًا بيئية واجتماعية لا تقل أهمية، غير أنها بقيت خارج دائرة الضوء.

• اليوم، ومع تنامي الاهتمام الإعلامي وتزايد الوعي المؤسسي بقضايا الاستدامة، تتاح أمام قطاع الغابات فرصة نادرة لتوسيع هذا الوعي ليشمل كل الغابات.

• وذلك بخطاب مهني مستنير يرسّخ الغابات كقيمة وطنية لا تُقاس بالموقع، بل بوظيفتها في حماية الحياة والموارد للأجيال القادمة.

• لقد شهدت غابة السنط منذ الثمانينات، عشر محاولات متكررة لتطويرها واستثمارها سياحيًا وترفيهيًا وحضريًا.

• شملت شركات محلية وعالمية، جمعيات، وقرارات حكومية، إلى جانب جهود الهيئة القومية للغابات لتحسينها بالجهد الذاتي.

• وكان آخر هذا المسار تصور أعدته لجان فنية متخصصة شكلت بموجب بقرارات وزارية تنفيذية وتخطيطية. ارتكز على دراسة جدوى بيئية واقتصادية.

• شمل التصور زيادة كثافة الغطاء الشجري إلى ثلاثة أضعاف، مع الانتقال من الاستخدام الموسمي المحدود للغابة إلى استخدام متنوع ومستدام على مدار العام، بالتحكم في دخول مياه الفيضان إلى الغابة.

• مع زيادة المرافق الترفيهية العامة والمتنزهات والمنشآت الداعمة للتطور الاجتماعي.

• وزيادة المستفيدين من نحو 3600 زائرًا حين إجراء الدراسة، ومعظمهم من فئات اجتماعية لا تشمل الأسر في الغالب.

• مع الحفاظ على البيئة الطبيعية والحياة البرية، ودون أي إنشاءات داخل المساحة الأصلية.

• في هذا السياق، وعطفاً على ما تقدم، الدعوة موجّهة إلى الهيئة القومية للغابات، بصفتها صاحبة الملكية القانونية للغابة وبحكم الاختصاص، والخبرة الممتدة في تجارب إعمار الغابة، لقيادة جهود الإعمار، بمشاركة المهتمين والمعنيين، ليس فقط بإعادة التشجير، بل عبر استثمارٍ جاذبٍ ومبتكر، يضمن استدامة الغابة وحمايتها، ويعكس الوضع الحضاري المشرق للعاصمة.

• أخيراً، حين تحدث محمود درويش، شاعر الثورة الفلسطينية، عن فقدان الأرض، لم يتوقف عند مرارة الفقد، بل التفت إلى جذوة الأمل، وقال: ما دام في الرماد جذر، فالغابة ستعود.

الغابة سوف تعود بإذن الله. ولكن ليس لسيرتها الاولى كما يقال عادة، ولكن افضل واجمل.

leader

صحيفة الكترونية تهتم بالشأن السوداني

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى