مقالات

وزارة العمل: العمود الفقري للتنمية الشاملة – دعوة لاستقلالها المؤسسي وإعادة هيكلة دورها الوطني

بقلم : د. محمد صلاح علي الفكي

 

وزارة العمل: العمود الفقري للتنمية الشاملة – دعوة لاستقلالها المؤسسي وإعادة هيكلة دورها الوطني

حين يغيب الإطار المؤسسي للرعاية الشاملة للعامل، تغيب معه العدالة، وتتفتت التنمية.”

— من الاستراتيجية ربع القرنية 2007–2031م

في لحظة فارقة من مسار إعادة بناء الدولة السودانية بعد الحرب، تبرز وزارة العمل بوصفها إحدى أكثر الوزارات الاستراتيجية التي ظُلِمت إداريًا وتشريعيًا، رغم أنها تُعنى بأهم مورد في أي دولة: الإنسان. فالعمل ليس مجرد وظيفة أو عقد، بل هو المدخل الحقيقي للإنتاج، والاستقرار الاجتماعي، والتنمية الاقتصادية، والعدالة المؤسسية، وبناء العقد الاجتماعي بين الدولة ومواطنيها. إن أي دولة تسعى للنهوض الحقيقي لا تبدأ بالمباني أو الموارد الطبيعية، بل تبدأ بتنظيم علاقتها بالعامل: تأهيله، تشغيله، حمايته، وضمان كرامته من بداية حياته الإنتاجية حتى ما بعد التقاعد. ومن هنا، فإن إعادة تعريف دور وزارة العمل ليست مسألة إدارية، بل قضية سيادية وتنموية من الدرجة الأولى.

الموقع الاستراتيجي للوزارة

وزارة العمل، بحكم طبيعة مهامها، لا تقتصر على التوظيف أو تصديق العقود، بل تشمل: تخطيط القوى العاملة وربطها بالاستراتيجية الاقتصادية الوطنية، والإصلاح الإداري وتطوير الخدمة العامة، والتدريب والتأهيل الفني والمهني، وحماية الحقوق العمالية وتحقيق العمل اللائق، وتنظيم علاقات العمل داخل الدولة وخارجها، والإشراف على منظومات الحماية الاجتماعية المرتبطة بالعمل. كما تمثل الوزارة المخاطَب الرسمي للدولة في تنفيذ التزاماتها الدولية والإقليمية، وعلى رأسها اتفاقيات منظمة العمل الدولية (ILO)، التي تأسست عام 1919م كأول وكالة أممية متخصصة تُعنى بالعدالة الاجتماعية وربط السلام بالتنمية والعمل اللائق.

الإطار الدولي والالتزامات المؤسسية

تلتزم الدول الأعضاء في منظمة العمل الدولية بتطبيق معايير العمل الأساسية، مثل حرية تكوين الجمعيات والنقابات، والقضاء على العمل الجبري، والقضاء على عمالة الأطفال، والمساواة وعدم التمييز في الاستخدام. وتُعد وزارة العمل الجهة الوطنية المسؤولة عن تنسيق هذه الالتزامات وتحويلها إلى سياسات وتشريعات وطنية. وعليه، فإن تفريغ الوزارة من صلاحياتها أو تجزئتها يُضعف قدرة الدولة على الوفاء بالتزاماتها الدولية، ويُفرغ مفهوم العدالة الاجتماعية من مضمونه.

الخلل المؤسسي في فصل العمل عن المعاش والتأمينات

من غير المنطقي – إداريًا أو استراتيجيًا – أن تكون وزارة العمل مسؤولة عن العامل من لحظة تعيينه، ثم تنتقل مسؤوليته عند التقاعد إلى جهة أخرى لا علاقة لها بمسار عمله. هذا الانفصام الهيكلي يخلق فجوة في الحماية الاجتماعية، ويُضعف التخطيط طويل الأمد للقوى العاملة، ويقوّض مبدأ العدالة المؤسسية. في كل النظم الحديثة، تُدار سياسات التشغيل والتقاعد والتأمين الاجتماعي تحت مظلة مؤسسية واحدة، لضمان سلسلة خدمات متكاملة للعامل، من التأهيل إلى الشيخوخة أو العجز.

المنطق الاستراتيجي للدمج المؤسسي

إن عودة المعاشات والتأمينات الاجتماعية إلى وزارة العمل ليست مقترحًا إداريًا عابرًا، بل ضرورة استراتيجية لضمان التكامل بين سياسات العمل والاقتصاد، وكفاءة إدارة الموارد البشرية الوطنية، والاستقرار الاجتماعي، وعدالة توزيع الأعباء والحقوق. كما أن استقلال الوزارة يعزز قدرتها على صياغة سياسات تشغيل وطنية حقيقية، وبناء قواعد بيانات دقيقة لسوق العمل، وتوجيه التدريب وفق أولويات الاقتصاد.

المرجعيات والمقارنات الدولية

تؤكد التجارب الدولية هذا المنهج: ففي ألمانيا تشرف وزارة العمل والشؤون الاجتماعية على العمل والمعاشات معًا. وفي ماليزيا ورواندا تُعد وزارة العمل مركزًا للتأهيل والإدماج الاقتصادي. وفي قطر ارتبطت رؤية 2030م بإصلاحات متكاملة داخل وزارة العمل شملت العمالة والتدريب والحماية.

وضع المغتربين: ركيزة وطنية ضمن الحماية الاجتماعية

لا يمكن الحديث عن العدالة المؤسسية دون معالجة وضع المغتربين السودانيين، الذين يمثلون موردًا بشريًا عالي القيمة، وغالبًا ما يكون خروجهم نتيجة لعجز الدولة في إقامة مشاريع وطنية كبرى تستوعب كفاءاتهم وتوفر لهم دخلاً واستقراراً أعلى مما يجنونه بالخارج. هذا العجز عن توظيفهم محليًا رغم الحاجة الماسّة لهم لدفع عجلة التنمية، يفرض ضرورة تعويضهم عبر منظومة حماية متكاملة. المغترب ليس مجرد مصدر للتحويلات المالية، بل هو:

· مواطن وعامل سوداني يؤدي دوره خارج الحدود الجغرافية.

· مساهم رئيسي في دعم الاقتصاد الوطني.

· جزء أصيل من القوة العاملة الوطنية التي تتحمل الدولة مسؤولية رعايتها.

وعليه، يجب أن يُعامل العاملون بالخارج معاملة العاملين بالدولة في الحقوق والواجبات والحماية الاجتماعية. فمن غير المقبول إخضاعهم للضرائب والرسوم دون تمكينهم من حقوق المعاش والتأمين الصحي الكامل. المنطق المؤسسي العادل يقول: من يدفع، يُحمى. ومن يُسهم في الاقتصاد، يُكفل له الأمان الاجتماعي.

التمويل المستدام والمتكامل: ربط الحقوق بالواجبات

لضمان عدالة واستدامة المنظومة، يجب ربط التزامات المغتربين المالية بحقوقهم المكفولة. ويتم ذلك عبر: ربط ضرائب المغتربين براتب التقاعد، وتوجيه زكاة المغتربين (وفق الضوابط الشرعية) لدعم التغطية بالتأمين الصحي الشامل لهم ولأسرهم. كما أن هيئة الزكاة المستقلة تُعد جزءًا أصيلاً من شبكات الضمان الاجتماعي، حيث تنسق مع وزارة العمل لتوجيه هذا الرافد المالي الشرعي لدعم برامج الحماية الصحية والاجتماعية ضمن استراتيجية وطنية موحدة.

الدروس التاريخية وأثر الدمج الشامل

تُثبت التجربة السودانية عبر تاريخها المؤسسي – من ديوان شؤون الخدمة سابقًا إلى فشل فصل المعاشات عن العمل في تسعينيات القرن الماضي – الحاجةَ الملحةَ للدمج المؤسسي الشامل. إن دمج الحماية الاجتماعية مع سياسات العمل سيؤدي إلى: (1) استقرار مالي من خلال تجميع الموارد وتقليل الهدر، (2) تقليل الفقر متعدد الأبعاد عبر شبكة أمان متكاملة تشمل الجوانب الصحية والتعليمية والمعيشية، و(3) تخفيف الضغط على الدعم الحكومي عبر تحويل المساعدات إلى استثمار إنتاجي في رأس المال البشري.

التوصيات:

1. الدمج المؤسسي الشامل: إعادة هيكلة الوزارة تحت مسمى “وزارة العمل والتنمية البشرية والحماية الاجتماعية”، لضمان تكامل سياسات التشغيل، التدريب، التأمينات (المعاشات والصحية)، والحماية الاجتماعية تحت سقف مؤسسي واحد.

2. ربط ضرائب واشتراكات المغتربين براتب التقاعد: إنشاء “صندوق مغتربي السودان” ضمن المؤسسة العامة للتأمينات الاجتماعية، بحيث تُربط اشتراكاتهم الإلزامية أو الطوعية، ونسبة من الضرائب المخصصة على تحويلاتهم، مباشرة بحساباتهم الشخصية لتكوين رصيد معاشي مستقبلي. وهذا يحقق العدالة ويضمن استدامة النظام ويعزز الانتماء.

3. ربط الزكاة بالتأمين الطبي ضمن منظومة متكاملة: تُدار الزكاة عبر هيئة مستقلة ذات كفاءة وخاضعة للمحاسبة، ولكنها تُعد جزءًا من شبكات الضمان الاجتماعي وتعمل في تنسيق وثيق مع الوزارة. يتم توجيه جزء من موارد الزكاة – وفق ضوابط شرعية ومالية دقيقة – لدعم منظومة التأمين الصحي الشامل، خاصة لعلاج الفئات الأكثر ضعفًا والأمراض المزمنة والمكلفة.

4. تطوير الإطار التشريعي: إصدار قانون جديد موحد للعمل والحماية الاجتماعية يكرس هذه الهيكلة المتكاملة، وينص صراحة على اختصاص الوزارة بكل من: سوق العمل، التدريب، التأمينات الاجتماعية، الحماية الاجتماعية، ورعاية شؤون العاملين بالخارج.

5. إنها شاء منصة رقمية موحدة: تطوير منصة إلكترونية شاملة تربط كل الخدمات (من التوظيف إلى صرف المعاش والتأمين الصحي)، وتسمح للمواطنين والمغتربين بالتسجيل، دفع الاشتراكات، متابعة الاستحقاقات، والوصول إلى الخدمات عن بعدد.

مقترح قرار بإعادة هيكلة وزارة العمل والحماية الاجتماعية

بالرجوع إلى الاستراتيجية القومية ربع القرنية (2007–2031م)، والتزامًا بالتكامل المؤسسي والعدالة الاجتماعية، يُقترح الآتي:

المادة (1): التسمية والاختصاص

تُنشأ وزارة سيادية تُسمى: “وزارة العمل والتنمية البشرية والحماية الاجتماعية”، وتُسند إليها المهام الآتية: تنظيم سوق العمل والسياسات الوطنية للتشغيل، الإشراف على التدريب والتأهيل الفني والمهني، إدارة منظومة التأمينات الاجتماعية والمعاشات، قيادة شبكات الحماية الاجتماعية الوطنية، رعاية شؤون السودانيين العاملين بالخارج.

المادة (2): الحماية الاجتماعية الشاملة

تشمل شبكات الحماية الاجتماعية التي تُشرف عليها الوزارة: التأمينات الاجتماعية (العجز، الوفاة، إصابات العمل)، التأمين الصحي العام، المعاشات التقاعدية، برامج الدعم النقدي والتحويلات المشروطة، برامج التمكين الاقتصادي للفئات الضعيفة. وتُعد هيئة الزكاة المستقلة جزءًا من هذه الشبكات، حيث تعمل في تنسيق وثيق مع الوزارة كأداة تمويل اجتماعي مكملة، وخاصة لدعم برامج التأمين الصحي والرعاية الصحية للفقراء والمحتاجين، وفق الضوابط الشرعية المنظمة.

المادة (3): دمج المعاشات والتأمينات وربطها بالمغتربين

تُدمج كافة مؤسسات التقاعد المدني والعسكري، والتأمين الاجتماعي، في كيان واحد يسمى: “المؤسسة العامة للتأمينات الاجتماعية”. تخضع هذه المؤسسة فنيًا وتنظيميًا لوزارة العمل. ويُنشأ ضمنها “صندوق مغتربي السودان”، الذي تربط اشتراكات وضرائب المغتربين المخصصة بحساباتهم الشخصية لمعاشاتهم المستقبلية، على أن يُعامل العاملون بالخارج معاملة العاملين بالدولة في الاستحقاقات التأمينية.

المادة (4): الهيكل التنظيمي للوزارة

· وكالة تنظيم سوق العمل.

· وكالة التدريب والتأهيل.

· المؤسسة العامة للتأمينات الاجتماعية (وتضم صندوق مغتربي السودان).

· إدارة الحماية الاجتماعية والتأمين الصحي.

· إدارة شؤون المغتربين.

· وحدة تنسيق موارد الحماية الاجتماعية (وتكون نقطة الارتباط والتنسيق الرئيسية مع هيئة الزكاة المستقلة).

المادة (5): المبادئ الحاكمة

الحماية الاجتماعية حق قانوني تُشرف عليه الدولة، وتُدار شبكات الضمان تحت مظلة موحدة. تُوجه موارد الزكاة – عبر الهيئة المستقلة المختصة وبالتنسيق مع الوزارة – لدعم المنظومة وخاصة الجانب الصحي، وفق الضوابط الشرعية. يُمنع التكرار الإداري وتعدد مراكز القرار.

المادة (6): الترتيبات القانونية

تُلغى أو تُعدّل كل القوانين والقرارات التي تتعارض مع هذا القرار. تصدر الوزارة اللوائح التنظيمية اللازمة لتنفيذه. تُدمج الجهات ذات الصلاحيات المماثلة في هيكل الوزارة.

بناء السودان الجديد لا يتم بالموارد وحدها، بل بإعادة الاعتبار للإنسان العامل. إن إعادة تأسيس وزارة العمل كقلب نابض للتنمية البشرية والحماية الاجتماعية تمثل حجر الزاوية في بناء دولة المؤسسات. من خلال دمج السياسات وربط الحقوق بالواجبات (مثل ربط ضرائب المغتربين بالمعاش وزكاتهم بالتأمين الصحي)، وإدخال الآليات الشرعية (كـالزكاة) كجزء من منظومة الضمان المؤسسي، نُحول العدالة الاجتماعية من شعار إلى ممارسة، ومن نوايا إلى نظم مستدامة تحفظ الكرامة وتعزز الإنتاجية وتضمن الاستقرار والازدهار للأمة.

“من لا يُكرّم العامل، لا يُكرِّم الوطن.”

— قول مأثور يُدرّس في إدارة الموارد البشرية الدولية.

leader

صحيفة الكترونية تهتم بالشأن السوداني

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى