
الزكاة شريك في النهضة: تأسيس رؤية صرف تخدم السيادة الوطنية
1. الإطار العام للتجربة السودانية في الزكاة: إنجازات مؤسسية وتحديات استراتيجية
تمثل تجربة الزكاة في السودان نموذجاً متقدماً في العالم الإسلامي، انتقلت فيه الزكاة من مجرد فريضة مالية ذات طابع توزيعي محدود، إلى مؤسسة عامة ذات أبعاد فقهية، وتنظيمية، وتنموية، استندت إلى أربعة مرتكزات رئيسة:
1. الوضوح الفقهي المؤسسي: حيث يتم تحديد المكلفين بدفع الزكاة وفق شرط النصاب الشرعي المعتبر علمياً وفقهياً، بعيداً عن الاجتهادات الإدارية أو التقديرات الظرفية.
2. الالتزام المنضبط بمصارف الزكاة الشرعية: مع وجود لجنة فقهية عليا مستقلة تُراجع النصاب والاستحقاق بصورة دورية، بما يحفظ المقصد الشرعي ويعزز الثقة المجتمعية.
3. التطور المعرفي والبحثي: من خلال معهد الزكاة، الذي أسهم في إنتاج دراسات معمقة حول الفقر والهشاشة الاجتماعية، جمعت بين المنظور الفقهي والتحليل التنموي الحديث.
4. التقدم في الإدارة التخطيطية: عبر وجود إدارة تخطيط متخصصة، نقلت الزكاة من نطاق العمل الخيري التقليدي إلى أداة سياسات عامة ذات أثر اقتصادي واجتماعي قابل للقياس.
وقد أسهمت هذه المرتكزات في منح نظام الزكاة السوداني مشروعية دينية راسخة، وقبولاً اجتماعياً واسعاً، وقدرة تنظيمية متميزة مقارنة بتجارب عديدة في العالم الإسلامي.
2. التحدي الاستراتيجي: مواءمة الصرف الزكوي مع الرؤية الوطنية
على الرغم من هذا التقدم، برز تحدٍ جوهري يتمثل في عدم التوافق الكامل بين بعض أنماط الصرف الزكوي والرؤية الاستراتيجية الوطنية للنهوض بالدولة، وهو تعارض لا يمس أصل الفريضة، وإنما يطال منهج الصرف وأولوياته.
2.1. أولاً: العلاج بالخارج – بين الاستجابة الفردية وبناء القدرة الوطنية
إن إنشاء إدارة مستقلة للعلاج بالخارج اتحادية بديوان الزكاة – بتمويل زكوي – يمثل معالجة إنسانية آنية، لكنه يطرح إشكالاً استراتيجياً عميقاً، لتعارضه مع:
· بناء النظام الصحي الوطني المستدام،
· واستراتيجية توطين العلاج داخل البلاد،
· وتعزيز العدالة الصحية الإقليمية.
المعالجة الاستراتيجية المقترحة:
إلغاء وإعادة هيكلة إدارة العلاج بالخارج لتتحول إلى:
«إدارة التطوير الصحي الإقليمي» تشارك فيها الزكاة مع الدولة ، مع إعادة توجيه مخصصات العلاج الزكوي نحو:
1. شراء الأجهزة الطبية المتخصصة للمستشفيات الإقليمية،
2. تأهيل وتوسعة المرافق الصحية في الولايات ذات الفجوات الخدمية،
3. دعم برامج تدريب واستبقاء الكوادر الصحية الوطنية العاملة في الولايات الإنتاجية،
4. إنشاء مراكز تخصصية للأمراض المزمنة في الأقاليم ومناطق الإنتاج.
وبذلك تنتقل الزكاة من تمويل علاج فردي مكلف ومحدود الأثر إلى استثمار صحي سيادي طويل الأمد.
2.2. ثانياً: البعد الجغرافي – العاصمة السيادية مقابل الأقاليم المنتجة
تنطلق الرؤية الوطنية من توصيف واضح للدور الوظيفي للمجال الجغرافي، حيث:
· تُعد العاصمة منطقة سيادية.
· بينما تمثل الأقاليم مناطق الإنتاج، والاستقرار السكاني، والتعليم، والمعيشة.
التوضيح المفاهيمي الضروري:
المناطق السيادية ليست مناطق دعم اجتماعي، إذ:
· يتحمل المقيمون فيها كلفة المعيشة المرتفعة،
· ويدفعون تكلفة الخدمات كاملة دون دعم،
· ويخضعون لتقييم معيشي يعكس قدرتهم على تحمل هذه الكلفة.
وعليه، فإن الدعم الزكوي يجب أن يُوجَّه حصراً إلى:
الفئات الهشة التي لا تحتمل صعوبات المعيشة في المناطق السيادية والراغبة في تحسين أوضاعها عبر العمل والاستقرار في الولايات الإنتاجية.
الآلية الاستراتيجية المقترحة:
تقديم حزم دعم انتقالية متكاملة تشمل:
1. توفير سكن مناسب في الولايات المنتجة، مقابل إعادة توظيف مساكنهم في العاصمة لصالح التخطيط الحضري وتقليل الاكتظاظ،
2. تدريب مهني مرتبط باحتياجات الاقتصاد الإقليمي،
3. دعم انتقالي محدد المدة (6–12 شهراً) يضمن الاستقرار دون خلق اعتماد دائم.
2.3. ثالثاً: النماذج الناجحة – من الإعاشة إلى التمكين
أثبتت تجربة ديوان الزكاة أن التمكين المرتبط بالأثر هو المسار الأكثر كفاءة، ومن أبرز النماذج:
1. مشروعات الأسر المنتجة المرتبطة بالأمن الغذائي وربط آلاف الأسر بسلاسل القيمة،
2. تجربة الاستزراع السمكي بولاية سنار كنموذج للتدخل الذكي،
3. تمليك الأنعام المنتجة في مناطق الجباية وربطها بالأسواق،
4. انتقال نسبة معتبرة من المستفيدين إلى فئة دافعي الزكاة بعد بلوغ النصاب.
هذه التجارب جسدت حقيقة أن الزكاة أداة للتحول الاجتماعي لا للإعاشة الدائمة.
2.4. رابعاً: نقطة الاختلال – تمليك وسائل النقل
برز توسع غير منضبط في تمليك المركبات، اتسم بـ:
1. تمركز جغرافي غير مبرر في العاصمة،
2. ضعف الالتزام بالمواصفات البيئية والفنية،
3. تعارض مباشر مع استراتيجية النقل الموصلات والطاقة النظيفة.
التصحيح الاستراتيجي:
1. حصر دعم الزكاة في أدوات الإنتاج (جرارات، معدات، مدخلات)،
2. منع تمليك المركبات الفردية من أموال الزكاة باعتبارها سلعاً كمالية،
3. التأكيد على أن النقل الاستراتيجي يقوم على السكك الحديدية والبصات الجماعية لا التمليك الفردي.
2.5. خامساً: الإطار المؤسسي للعاملين بالديوان
باعتبار ديوان الزكاة جزءاً من منظومة الدولة وشبكة الضمان الاجتماعي:
1. تُصرف الرواتب الأساسية للعاملين من الإيراد العام أسوة ببقية موظفي الدولة،
2. يُخصص بند ﴿العاملين عليها﴾ لبقية الاستحقاقات التشغيلية المرتبطة بالأداء،
3. تُلغى الحوافز التي لا تنسجم مع الرؤية القومية (مثل حافز المدارس وبدل المؤهل وبدل وجبة) ،
4. يُستعاض عن بدل وجبة بوجبة شعبية تقدم للعاملين دون تميز والاستعاضة عن بدل المؤهل العلمي بالتركيز على بناء المهارات، والزمالات المهنية، والتدريب كشرط للترقي.
ملاحظة إجرائية: في حالات الطوارئ المالية، تُصرف الرواتب من إيرادات الزكاة كسلفة مؤقتة تُحمّل على وزارة المالية.
التحول المؤسسي :
يُعاد تنظيم الأمانة العامة لديوان الزكاة تحت مسمى:
هيئة الزكاة والتمكين الاجتماعي
كهيئة قومية مستقلة ذات طابع تنموي، تعمل وفق أحكام الشريعة الإسلامية، وتنسق مع السياسات القومية للحماية الاجتماعية والتنمية المستدامة.
مع الإبقاء على أن تحمل الفروع الولائية والمحلية اسم:
«ديوان الزكاة»
بوصفه الاسم الراسخ مجتمعيًا في التحصيل والصرف المباشر.
الفصل الوظيفي الذكي:
· التخطيط والسياسات ← الهيئة
· التنفيذ والتحصيل ← الديوان
وهو ترتيب يتسق مع:
· مبادئ الإدارة العامة الحديثة،
· ونماذج الحوكمة متعددة المستويات،
· ويتيح تحولًا تدريجيًا منخفض التكلفة عالي الأثر.
توصيات :
1. إعادة هيكلة إدارة العلاج بالخارج وتحويلها إلى ذراع تطوير صحي إقليمي.
2. توجيه غالبية مصارف الزكاة للأقاليم المنتجة.
3. إنشاء صندوق للاستقرار السكاني تشارك فيه الزكاة مع الدولة.
4. ربط جميع تدخلات الزكاة بمؤشرات أثر قابلة للقياس.
5. اقرارالتحول المؤسسي نحو هيئة الزكاة والتمكين الاجتماعي.
نحو رؤية سيادية للزكاة لا تعارض الشريعة الإسلامية بل تحقق مقصدها في العمران والعدل ، حفظ النفس ، الكرامه
الزكاة، حين تُدار بعقل فقهي واعٍ، وإدارة عامة رشيدة، وتخطيط استراتيجي منسجم مع مشروع الدولة، تصبح:
· أداة سيادية لإعادة التوازن الاقتصادي والجغرافي،
· رافعة لتحويل الهشاشة إلى طاقة إنتاجية،
· وشريكاً أصيلاً في النهضة القومية، لا مجرد شبكة أمان اجتماعي.
التحدي الحقيقي ليس في تحصيل الزكاة، بل في مواءمة صرفها مع مشروع الدولة الوطني.







