مقالات

الفرص الضائعة واستراتيجية التخطيط : من ذهبٍ لا يُلتقط إلى رؤية لا تُسمع

بقلم : د. محمد صلاح علي الفكي

 

الفرص الضائعة واستراتيجية التخطيط:

من ذهبٍ لا يُلتقط إلى رؤية لا تُسمع

في عالم الإدارة والتنمية، لا تُقاس كفاءة الدول والمؤسسات بحسن النوايا ولا بكثرة الخطط المكتوبة، بل بقدرتها على التقاط الفرصة في لحظتها التاريخية، وتحويل الإمكان إلى قرار، والقرار إلى فعل، والفعل إلى أثر مستدام. فالفرص لا تضيع لأنها غير موجودة، بل لأنها تمرّ دون أن تجد يدًا مؤهلة لالتقاطها، أو رؤية واعية تُقدّر قيمتها، أو منظومة قادرة على تحويلها إلى إنجاز ملموس يشعر به المجتمع.

الرؤية، في هذا السياق، ليست خطابًا إنشائيًا ولا أمنية مستقبلية، بل استراتيجية تخطيطية متكاملة تقوم على وضوح الاتجاه، وحسن ترتيب الأولويات، وربط الأهداف بالموارد والزمن، وامتلاك الشجاعة المؤسسية لتجاوز ثقافة الانتظار وردود الفعل. وعندما تغيب الرؤية، تتحول الكفاءات إلى أصوات معزولة، وتضيع الفرص كما يضيع الذهب في يدٍ مرتجفة لا تحسن التقاطه، لا لندرته، بل لغياب الجدارة المؤسسية.

كيف تضيع الفرص؟ ولماذا تُهدر؟

تؤكد أدبيات الإدارة الاستراتيجية أن ضياع الفرص غالبًا لا يرتبط بندرتها، بل بخلل في منظومة اتخاذ القرار والتنفيذ. ومن أبرز مظاهر هذا الخلل:

– غياب القراءة الاستباقية للمتغيرات الاقتصادية والاجتماعية والتكنولوجية.

– ضعف الربط بين التحليل العلمي والقرار التنفيذي.

– تضارب الصلاحيات وتعدد مراكز التأثير دون مرجعية حاكمة.

– الخوف من المسؤولية وتغليب السلامة الشخصية على المصلحة العامة.

– التعامل مع الفرص بعقلية المشروع المؤقت لا بعقلية المسار الاستراتيجي طويل الأمد.

وهكذا يتحول الحوار العام—مهما حسنت نواياه—إلى ساحة اتهام وجدال، بدل أن يكون منصة للفهم المشترك والعمل المنظم. ومع تكرار هذا النمط، تتبدد الفرص واحدة تلو الأخرى، ليس لأن الذهب غير موجود، بل لأن الرؤية لا تُسمع، والقرار لا يُحسم، والتنفيذ لا يُدار وفق منهج واضح.

 فرصة ضائعة مقابل فرصة مستثمرة

تشير التجارب الدولية إلى أن الفارق الجوهري بين الدول المتقدمة وغيرها لا يكمن في اختلاف الموارد، بل في طريقة إدارة الفرص وتنفيذ الاستراتيجيات. فالدول التي نجحت في التحول الاقتصادي أو الاجتماعي تعاملت مع الفرصة بوصفها:

قرارًا زمنيًا محدود الصلاحية.

استثمارًا طويل الأمد لا مكسبًا سياسيًا سريعًا.

مشروع دولة متكامل لا مبادرة أفراد أو حكومة عابرة.

في المقابل، تضيع الفرص حين تُدار بعقلية التجريب، أو تُختزل في لجان بلا صلاحيات تنفيذية، أو تُربط بمزاج الأشخاص لا بالمنهج المؤسسي، فتتحول من إمكانية تاريخية إلى ملف منسي، وتتحمل الأجيال كلفة هذا النسيان.

الحلقة المفقودة: غياب التكامل بين التنفيذ والمعرفة

تتمثل إحدى أعمق فجوات الفشل في كثير من دول العالم الثالث، قديمًا وحديثًا، في غياب التكامل بين السلطة التنفيذية والسلطة المعرفية. فلا المشكلة في وجود السلطة، ولا في توفر الخبراء، بل في فصل القرار عن المعرفة، وتحويل العلم إلى استشارة شكلية لا شريكًا حقيقيًا في صناعة القرار.

فالسلطة التنفيذية تمتلك الشرعية القانونية والتنظيمية للتنفيذ، بينما تمتلك السلطة المعرفية شرعية المنهج والتحليل وتقدير البدائل والمخاطر. وعندما يُدار القرار بمعزل عن المعرفة المنظمة، تكون النتيجة قرارات قصيرة النفس، ضعيفة الأثر، وغير قابلة للاستدامة، مهما بدا شكلها منضبطًا أو خطابها جذابًا.

الفرص الضائعة وإخلال العقد بين المواطن والدولة

من منظور الحوكمة الحديثة، تمثل الاستراتيجية المعلنة عقدًا غير مكتوب بين الدولة والمواطن: تلتزم فيه الدولة بتحويل الرؤية إلى سياسات وخدمات، ويلتزم فيه المواطن بالعمل والإنتاج والامتثال للقانون. وعندما تُعلَن الاستراتيجيات دون تنفيذ، أو تُفرغ من محتواها العملي، فإن ذلك يشكّل إخلالًا مباشرًا بهذا العقد، ويُنتج فجوة ثقة عميقة بين المجتمع والدولة.

في الدول التي تطبّق استراتيجياتها بجدية، يظهر المشهد الاستراتيجي واضحًا في حياة المواطن اليومية: تعليم عام مجاني عالي الجودة، صحة متاحة، نقل منظم، فرص عمل مرتبطة بالتأهيل، وتنمية متوازنة بين الأقاليم. أما في الدول التي تغيب فيها الاستراتيجية عن التنفيذ، فيغيب المواطن عن المشهد، ويُترك ليواجه التكاليف وحده، بينما تبقى الخطط حبيسة الأدراج.

من القرار إلى التنفيذ: منظومة الاستراتيجية الفاعلة

وفقًا لمناهج الإدارة الحديثة (Balanced Scorecard – OKRs – Results-Based Management)، لا تكتمل الاستراتيجية إلا عبر منظومة تنفيذ متكاملة تشمل:

– رؤية محددة قابلة للترجمة إلى أهداف عملية.

– أهداف استراتيجية مرتبطة بمؤشرات أداء قابلة للقياس (KPIs).

– خطط تشغيلية بجدول زمني ومسؤوليات واضحة.

– آليات متابعة وتقييم دورية وشفافة.

– ربط الأداء بالمحاسبة والتحفيز.

– قدرة مؤسسية على التعديل والتعلم المستمر.

غياب أي حلقة من هذه السلسلة يحوّل الاستراتيجية إلى وثيقة بلا حياة، ويجعل الفرص تمرّ دون أثر، وتتحول الموارد إلى تكلفة ضائعة بدل أن تكون استثمارًا وطنيًا.

تعطيل الاستراتيجية بوصفه فسادًا وإهدارًا للموارد

في منظور الحوكمة العالمية المعاصر، لم يعد الفساد محصورًا في الرشوة أو الاختلاس المباشر، بل أصبح يشمل عدم تنفيذ الاستراتيجيات المعتمدة، وتعطيل السياسات العامة، وسوء استخدام الوقت والموارد. فعدم التنفيذ يُعد شكلًا من أشكال الفساد الإداري المقنّع، لأنه يهدر مقدرات الشعوب، ويضيّع الفرص، ويحمّل المجتمع كلفة الإخفاق دون مساءلة واضحة.

الفرصة والزمن: عنصر الحسم

تشدد أدبيات القيادة الاستراتيجية وتطوير الذات على أن الفرصة مرتبطة بالزمن، وأن التأخير في القرار يعادل في أثره القرار الخاطئ. فالدول والمؤسسات التي تفرط في التردد لا تفقد الفرصة فحسب، بل تفقد ثقة المجتمع، وتدفع كلفة زمنية واقتصادية أعلى من كلفة الخطأ المحسوب.

توصيات:

1.ترسيخ ثقافة اتخاذ القرار المبني على المعرفة لا على الحدس.

2.إنشاء آليات مؤسسية دائمة لدمج الخبراء في صناعة القرار لا بعده.

3.اعتماد مؤشرات أداء استراتيجية تقيس الأثر لا النشاط.

4.ربط التخطيط بالزمن والموارد والمسؤولية الفردية والمؤسسية.

5.الانتقال من إدارة الأزمات إلى بناء المسارات الاستراتيجية.

6.تعزيز الشفافية في القرار لرفع الثقة وتقليل كلفة التنفيذ.

7.بناء قدرات القيادات التنفيذية في التفكير الاستراتيجي لا الإداري فقط.

الفرص لا تُصنع بعد فوات أوانها، ولا تُستدعى بالخطابات، بل تُلتقط بعقلٍ يقظ، ورؤية مسموعة، وقرار شجاع، ومنظومة تعرف كيف تُحوّل الإمكان إلى أثر. فالدول لا تفشل لأنها فقيرة، بل لأنها تُحسن وصف الفرص وتُسيء إدارتها. وحين يصبح التخطيط فعلًا، والمعرفة شريكًا، والتنفيذ التزامًا أخلاقيًا ومؤسسيًا، يتحول الذهب المهدَر إلى مسار، والرؤية المؤجلة إلى مستقبل يُبنى لا يُنتظر.

leader

صحيفة الكترونية تهتم بالشأن السوداني

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى