مقالات

المسؤولية الفردية داخل المجتمع: الأساس الحضاري لبناء الدول

بقلم : د. محمد صلاح علي الفكي    

 

المسؤولية الفردية داخل المجتمع: الأساس الحضاري لبناء الدول

الأساس الحضاري بوصفه جوهر البناء والاستدامة

لم يعد بناء الدول في الفكر المعاصر مسألة ترتيبات مؤسسية أو نصوص قانونية معزولة، بل عملية حضارية مركّبة يتصدرها الإنسان بوصفه نقطة البداية والنهاية في آنٍ واحد. فالمسؤولية الفردية داخل المجتمع لا تمثل قيمة أخلاقية مجردة، وإنما منظومة سلوكيات قابلة للقياس والملاحظة، تشمل الانضباط الذاتي، واحترام الوقت، والالتزام بالقانون، وربط الأداء بالنتائج، والوعي بحدود الحق والواجب. وهي بذلك تشكّل الأساس الحضاري الذي تُبنى عليه منظومات العمل، وتستقيم به المؤسسات، وتُقاس من خلاله قدرة الدول على الاستمرار لا مجرد البقاء. ومن هنا، يصبح فهم هذا الأساس شرطًا لازمًا لأي مشروع جاد يسعى إلى بناء دولة فاعلة قادرة على تحويل الموارد إلى إنجاز، والتحديات إلى فرص.

تؤكد أدبيات الإدارة الحديثة والتنمية المؤسسية أن تعثر الدول والمشاريع لا يعود غالبًا إلى نقص الموارد أو ضعف التشريعات فحسب، بل إلى خلل أعمق في البنية السلوكية للأفراد داخل المجتمع. فالدولة ليست كيانًا منفصلًا عن مواطنيها، بل انعكاس تراكمي لقيمهم اليومية في طريقة إدارتهم للوقت، واحترامهم للنظام، وتعاملهم مع المال العام، ونظرتهم للعمل والإنجاز. وعندما تضعف هذه القيم، تصبح أفضل النظم عرضة للتعطّل، وتتحول السياسات العامة إلى نصوص بلا أثر، مهما بلغت جودتها النظرية أو حسن نوايا واضعيها.

وتشير التجارب العملية في مجالات الإنتاج والخدمات والعمل العام إلى أن الفشل يتكرر حين يغيب التخطيط، وتُهمل إدارة التكلفة والدورة التشغيلية، وتضعف المتابعة والصيانة، ويُفصل الأداء عن المحاسبة. ومع الإقرار بوجود نماذج فردية ومؤسسية ناجحة، فإنها غالبًا ما تظل محدودة الأثر، لأن البيئة المحيطة بها لا تعيد إنتاج النجاح، بل تحاصره أو تستهلكه. وهنا يتجلى القصور البنيوي الحقيقي: ليس في وقوع الخطأ، بل في تحوّله إلى نمط مقبول اجتماعيًا، ثم إلى ممارسة مؤسسية معاد إنتاجها عبر الزمن.

وفي العمل الجماعي والمؤسسي، يظهر الخلل حين تُدار الهياكل على أساس الاعتبار الاجتماعي أو الرمزي بدل الكفاءة الإدارية والمسؤولية الوظيفية، فتغيب الرؤية، وتضعف المساءلة، وتتحول الأطر التنظيمية إلى مساحات مجاملة أو صراع، بدل أن تكون أدوات خدمة عامة. وتؤكد مبادئ الحوكمة الرشيدة أن المؤسسات لا تعمل بالقوانين وحدها، بل بسلوك الأفراد الذين يطبقونها، وأن الشرعية العملية لا تُفرض من القمة فقط، بل تُبنى من القاعدة إلى القمة عبر الالتزام اليومي بالقواعد.

ويتجلى السلوك الحضاري بوصفه الامتداد العملي للمسؤولية الفردية في تفاصيل الحياة اليومية التي قد تبدو بسيطة في ظاهرها، لكنها في حقيقتها تمثل المعيار الحقيقي لرقي المجتمعات. فالالتزام بالوقوف في الدور للحصول على خدمة، واحترام أسبقية الآخرين، وعدم استغلال الفوضى أو النفوذ، يعكس وعيًا حضاريًا بحدود الحق العام. كما أن مراعاة ذوي الاحتياجات الخاصة، والحوامل، والمرضى، وكبار السن في المرافق العامة ووسائل النقل، ليست لفتات أخلاقية هامشية، بل مؤشرات مركزية على عدالة المجتمع وإنسانيته.

وتدخل النظافة العامة والشخصية في صميم هذا السلوك الحضاري؛ فالحفاظ على نظافة المكان العام، واحترام الفضاء المشترك، وعدم إلقاء العبء كاملًا على الدولة، يعكس فهمًا ناضجًا لمعنى الشراكة المجتمعية. كما أن لغة التعامل اليومي—من شكر واحترام، والبعد عن الإساءة والتجريح، وتقبّل الآخر مهما اختلف—تمثل بنية غير مرئية لكنها حاسمة في بناء رأس المال الاجتماعي وتعزيز الثقة بين الأفراد والمؤسسات.

وتبرز الفجوة الحضارية بوضوح عند مقارنة هذه الممارسات بين دول قطعت شوطًا في البناء المؤسسي، وأخرى ما تزال أسيرة الفوضى السلوكية. ففي الدول المتقدمة، تُمارس هذه القيم بوصفها سلوكًا تلقائيًا لا يحتاج إلى رقابة دائمة أو تهديد بالعقوبة، بينما في الدول المتخلفة حضاريًا تُعدّ الاستثناءات هي القاعدة، ويُنظر إلى الالتزام بالنظام باعتباره سذاجة لا فضيلة. هذا التباين لا يعود إلى اختلاف القوانين، بل إلى اختلاف الوعي الجمعي والتربية على المسؤولية الفردية.

أما في بيئة العمل، فإن ضعف احترام الوقت، وتحويل الوظيفة إلى حضور شكلي، وفصل الأجر عن الأداء، تمثل مؤشرات واضحة على خلل في فهم العمل بوصفه عقدًا أخلاقيًا وقانونيًا. ومع تكرار هذه الممارسات، يتآكل رأس المال الاجتماعي، وتضعف الثقة، وترتفع كلفة المعاملات، وتنخفض الإنتاجية، وتتراجع جاذبية الاستثمار، كما تؤكد أدبيات الاقتصاد المؤسسي. ويزداد الأمر تعقيدًا حين تُبرَّر هذه السلوكيات بوصفها “مرونة” أو “ذكاءً”، بينما تُصنّف في جوهرها ضمن أشكال الفساد الصغير الذي يشكّل البنية التحتية للفساد الكبير.

وفي هذا السياق، لا يمكن فصل السلوك الحضاري عن طبيعة العلاقة بين الحكومة والمجتمع. فالحكومات التي تقوم على الشفافية، والعدالة، والرقمنة، وتكافؤ الفرص، تقلّص تلقائيًا مساحات الفساد، وتدفع الأفراد إلى الالتزام بالقانون لأنهم يرونه عادلًا ومطبقًا على الجميع. كما أن التحول الرقمي ليس مجرد تحديث تقني، بل أداة حضارية تقلل الاحتكاك، وتحد من الاستغلال، وتعزز الثقة بين المواطن والمؤسسة.

ومن منظور استراتيجي شامل، يمكن القول إن الدولة هي النسخة المكبّرة من الفرد. فإذا كانت النسخة الصغرى مختلة سلوكيًا وتنظيميًا ونفسيًا، فلا يمكن توقّع نسخة كبرى مستقرة أو منتجة. ولهذا، فإن تغيير الواجهات دون إصلاح الإنسان يعيد إنتاج الإخفاق بأسماء جديدة وأدوات مختلفة. وتلتقي التجارب الدولية الناجحة، على اختلاف سياقاتها، عند حقيقة واحدة: بناء الإنسان يسبق بناء المؤسسة، والمسؤولية الفردية هي حجر الزاوية في هذا البناء الحضاري.

توصيات:

1.إعادة تعريف المسؤولية الفردية بربط الحقوق بالواجبات في الخطاب التربوي والمؤسسي، وتحويلها إلى ممارسة يومية لا شعار أخلاقي.

2.إدماج السلوك التنظيمي في التعليم، بما يشمل إدارة الوقت، واحترام الدور، والمحاسبة الذاتية، والعمل الجماعي.

3.ربط الأجر بالأداء لا بالحضور من خلال مؤشرات قياس واضحة وشفافة.

4 .التعامل الجاد مع الفساد الصغير بوصفه خطرًا بنيويًا يهدد الثقة العامة ويقوّض الحوكمة.

5.إعادة بناء مفهوم العمل العام باعتباره تكليفًا أخلاقيًا وقانونيًا لا امتيازًا اجتماعيًا.

6.ترسيخ ثقافة التدرّج والزمن باعتبارهما شرطين للتنمية المستدامة لا عائقين لها.

7.تعزيز المحاسبة الذاتية داخل المؤسسات قبل اللجوء إلى أدوات الرقابة الخارجية.

الحضارة تسبق البناء دائمًا، ونادرًا ما تنهض دولة بلا أساس حضاري يشكّل وعيها ويوجّه عمرانها.

لا تُبنى الدول بتغيير الواجهات، ولا تستقيم بتبديل الأسماء، بل تنهض حين يصبح الفرد مسؤولًا عن أثره اليومي في المجال العام. فالمسؤولية الفردية ليست قيمة أخلاقية فحسب، بل أساس حضاري تُبنى عليه القوانين، وتُدار به المؤسسات، وتتحقق به الاستدامة. وحين يُصلح المجتمع علاقته بالعمل والوقت والقانون والآخر، يصبح بناء الدولة نتيجة منطقية لمسار واعٍ، لا معركة متكررة مع الفشل؛ فأزمة الدول في جوهرها ليست أزمة أنظمة، بل أزمة مسؤولية.

leader

صحيفة الكترونية تهتم بالشأن السوداني

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى