خطاب مفتوح إلى الأمانة العامة لمجلس الوزراء الموقر
بقلم : د. عبد العظيم ميرغني مهني غابات متقاعد

خطاب مفتوح إلى الأمانة العامة لمجلس الوزراء الموقر
الموضوع: مذكرة فنية حول إنفاذ القرار رقم (170) لسنة 2025م
السيد/ وزير شؤون مجلس الوزراء الموقر،
السلام عليكم ورحمة الله،
إدراكاً منا للمسؤولية الوطنية في هذه المرحلة المفصلية، نضع بين أيديكم هذه المذكرة الفنية الرامية إلى تجويد مخرجات القرار رقم (170) فيما يخص قطاعات الزراعة، الغابات، والبيئة.
إن هدفنا هو ضمان اتساق الهيكلة الجديدة مع مقتضيات الواقع التنموي والقوانين السيادية، بما يكفل تحقيق أهداف الدولة في التعافي الاقتصادي وحماية الموارد الطبيعية.
أولاً: إعادة ضبط بوصلة الأولويات الوطنية (الأوزان السيادية والإنتاجية)
في البدء نثمن منهجية القرار في ترتيب الدولة بدءاً بالسيادة ثم الإنتاج وصولاً للخدمات، إلا أن مراجعة قائمة أسبقيات الوزارات (1–25) كشفت عن اختلال في “الوزن النسبي” لبعض القطاعات:
• لوحظ تقدم الإدارة على الإنتاج، مثل تقدم وزارة “الحكم الاتحادي” (المرتبة 9) وهي وزارة إدارية تنسيقية، على قاطرة الاقتصاد والتنمية “الزراعة والري” (المرتبة 11) و”الطاقة” (المرتبة 13).
• كان الأوجب في ظل أزمة اقتصادية حادة أن تصطف “مجموعة الإنتاج” مباشرة خلف خماسي السيادة (مجلس الوزراء، الدفاع، الداخلية، الخارجية، العدل)، فالتنمية الريفية لن تتحقق فعلياً إلا عبر نهضة الزراعة والغابات والري.
ثانياً: استعادة المسمى الاستراتيجي لوزارة الزراعة ونقترح إعادة تسمية الوزارة ليصبح “وزارة الزراعة والغابات والري:
• تغييب الغابات عن المسمى التاريخي للوزارة يمثل خللاً جوهرياً؛ فالغابات هي الحاضنة البيئية للزراعة التقليدية التي تمثل أكثر من 90% من القطاع الزراعي السوداني، بينما لا تتجاوز الزراعة المروية والفيضية مجتمعة 10%.
• السودان بلد غابي بامتياز عبر مورد “الصمغ العربي”، وإضعاف المسمى الهيكلي يُضعف قدرتنا التفاوضية في المحافل الدولية وصناديق التمويل.
وفي حال التمسك بالمسميات الحالية، نوصي بـ “المعالجة البديلة”:
• تعيين وكيل أول للغابات ووكيل أول للري بصلاحيات سيادية وفنية موازية لوكيل الزراعة، مع توضيح دور الوكيل الأول للغابات كوظيفة تنسيقية واستراتيجية داخل الوزارة، دون المساس بالمهام التنفيذية أو الاستقلال المالي والإداري للهيئة القومية للغابات.
• ويُستحسن توثيق ذلك عبر بروتوكول رسمي يوضح الفصل بين التخطيط والتنسيق من جهة، والتنفيذ الفني والإدارة من جهة الهيئة، لضمان تكامل السياسات وحماية الموارد الغابية دون تضارب أو ازدواجية.
• كما نوصي بإصدار بروتوكول التكامل الإلزامي الذي يمنع التصديق لأي مشروع زراعي ما لم يشمل خطة غابية ومائية معتمدة.
ثالثاً: استعادة الصبغة القومية لمجلس التصحر: بتعديل مسمى المجلس الوارد في القرار ليصبح “المجلس القومي لمكافحة التصحر”، للأسباب التالية:
• السيادة القانونية: حذف صفة “القومي” يختزل المجلس في وحدة إدارية تابعة، بينما منحه القانون رقم (2009) شخصية اعتبارية وصفة تعاقبية تحت رعاية رئاسة الدولة، ليكون السلطة المختصة بإنفاذ اتفاقية الأمم المتحدة (UNCCD).
• الاستقلال المالي والإداري: استعادة المسمى والتبعية المباشرة لمجلس الوزراء تضمن للمجلس قوته كـ “نقطة اتصال وطنية” أمام المنظمات الدولية، وتكفل له إدارة “صندوق مكافحة التصحر” لاستقطاب التمويل المناخي العالمي.
مع التأكيد على أن التبعية السيادية لمجلس الوزراء لا تتعارض مع التنسيق الوزاري، فجمع هذه المجالس البيئية الثلاثة (البيئة، التصحر، السلامة الحيوية) تحت مظلة وزارة واحدة يُعد خطوة صحيحة نظرياً، لكن نجاحها مشروط بـ:
• الفصل بين التشريع والتنفيذ، بحيث تضطلع وزارة البيئة بالدور التشريعي والرقابي، بينما تحتفظ المجالس باستقلاليتها الفنية والتنفيذية وفقاً لقوانينها التأسيسية (قانون البيئة 2001، قانون التصحر 2009، قانون السلامة الأحيائية لسنة 2010م).
• الاستمرارية القانونية، بالنص صراحة على أن هذه المجالس هي “الوريث القانوني والفني” لكافة الالتزامات والاتفاقيات الدولية السابقة.
خلاصة القول:
• الدولة كالشجرة؛ جذورها السيادة، وجذعها الإنتاج (الزراعة، الغابات، الري، والطاقة)، وأوراقها الخدمات. فإذا ضعف الجذع اختلّ التوازن، وذبلت الأوراق مهما بدت وافرة في ظاهرها.
• التعديلات المقترحة تحصين للقرار (170)، وضمانة لتحويله من إطار إداري، إلى أداة دولة فعّالة تحمي “جذور” الإنتاج من رياح الواقع وتحديات التغيّر المناخي.
حفظ الله البلاد والعباد،
مع فائق الاحترام والتقدير،
د. عبد العظيم ميرغني
مهني غابات متقاعد
والأمين العام للمجلس القومي لمكافحة التصحر سابقاً






