مقالات

طه هارون يكتب : المعلم المشرد.. رسالة في مهب النزوح

اليوم العالمي للمعلم هذا العام، لا يقف المعلم أمام السبورة كما اعتاد، ولا يحمل طباشيره ليخطّ بها حروف المعرفة على ألواح الأجيال، بل اصبح بين اسفار وترحال ونزوح و لجوء تارة اخري

 

المعلم المشرد.. رسالة في مهب النزوح

اليوم العالمي للمعلم هذا العام، لا يقف المعلم أمام السبورة كما اعتاد، ولا يحمل طباشيره ليخطّ بها حروف المعرفة على ألواح الأجيال، بل اصبح بين اسفار وترحال ونزوح و لجوء تارة اخري ، أو يلتحف خيمةً في معسكر للنازحين واللاجئين، أو يبحث عن مأوى يقيه قسوة الطبيعة ومرارة الفقد. لقد أصبح المعلم نفسه مشردًا بين النزوح واللجوء، وبين قسوة الواقع وضياع الحقوق، في مشهدٍ تختلط فيه مأساة الإنسان بوجع المهنة.

يأتي هذا اليوم والمعلم يواجه ظروفًا استثنائية تتجاوز حدود الفقر وضعف الإمكانات؛ فهناك من فقد منزله، ومن تشتت أسرته، ومن انقطعت به سبل العيش، ومن وجد نفسه في بيئة متدنية تفتقر إلى أبسط مقومات الحياة الكريمة. ، حيث تضيق المساحات وتتسع الاحتياجات، يحاول المعلم أن يحافظ على ما تبقى من رسالته، وأن يتمسك بالأمل وسط واقعٍ يهدد الإنسان في أمنه واستقراره وكرامته.

ولم تتوقف معاناة المعلم عند الحروب والنزوح واللجوء، بل امتدت لتشمل آثار العوامل الطبيعية القاسية، وشح الأمطار، وتدهور البيئة، والقطع الجائر للأشجار، وما يترتب على ذلك من تصحر وفقدان لمصادر رزق اخري وتفاقم للأزمات الإنسانية. وفي ظل هذه التحديات، يصبح التعليم أكثر هشاشة، وتغدو المدرسة حلمًا مؤجلًا لدى كثير من الأطفال، بينما يكافح المعلم من أجل البقاء، قبل أن يكافح من أجل استمرار العملية التعليمية.

وتزداد الصورة قتامة حين تتسلل خطابات الكراهية إلى المجتمعات، فتعمق الانقسامات وتزرع العداوات وتضعف قيم التعايش والتسامح والاخاء. وهنا تبرز أهمية المعلم بوصفه حاملًا لرسالة تتجاوز تلقين الدروس إلى بناء الوعي، ونشر المعرفة وترسيخ ثقافة السلام، واحترام التنوع، ومقاومة التعصب. الا أن السؤال المؤلم يظل قائمًا: كيف نطالب المعلم بأن يصنع السلام في عقول الأجيال، وهو نفسه يفتقد الأمان والاستقرار؟

الاحتفاء بالمعلم في يومه العالمي لا ينبغي أن يقتصر على الكلمات المنمقة والشعارات الاحتفالية، بل يجب أن يتحول إلى موقف إنساني وأخلاقي يعترف بمعاناته، ويحمي حقوقه، ويوفر له المأوى والغذاء والرعاية الصحية، ويضمن له أجرًا عادلًا وظروفًا تحفظ كرامته، وتتيح له مواصلة رسالته في ظروف النزوح واللجوء والطوارئ. كما ينبغي أن تتضافر جهود الحكومات والمنظمات الإنسانية والمؤسسات التعليمية والمجتمعات المحلية من أجل إعادة الأطفال إلى مقاعد الدراسة، وتوفير بيئات تعليمية آمنة، ودعم المعلمين الذين وجدوا أنفسهم في قلب الأزمات.

المعلم النازح ليس مجرد ضحية للحرب أو الكوارث، بل هو إنسان يحمل في داخله ذاكرة وطن، وحلم جيل، ورسالة لا تنتهي بتغير المكان. وقد يفقد فصله الدراسي، لكنه لا يفقد بالضرورة إيمانه بالتعليم؛ وقد تتناثر أوراقه تحت الخيام، لكن أحلام تلاميذه تتظل حاضرة في وجدانه، تدفعه إلى الاستمرار رغم الجراح.

في اليوم العالمي للمعلم، علينا أن نعيد تعريف التكريم؛ فليس التكريم أن نرفع صورة المعلم على المنصات، بل أن نرفع عنه الظلم، وليس الوفاء أن نحتفي برسالته يومًا واحدًا، بل أن نصون كرامته طوال العام لانه (شبيه سيدنا ونبينا محمدصلي الله عليه وسلم )، وليس الاعتراف بفضله أن نصفه بصانع الأجيال، بل أن نمنحه الظروف التي تمكنه من صناعة المستقبل.

المعلم الذي يبحث اليوم عن مأوى يستحق أن يجد وطنًا من التضامن، والذي يواجه خطاب الكراهية يستحق أن يجد مجتمعًا يحتضن قيم المحبة والسلام، والذي يقف في معسكرات النزوح يستحق أن تصل رسالته إلى العالم قبل أن تنطفئ جذوة الأمل في عينيه.

ففي هذا اليوم، لا نسأل فقط: ماذا قدم المعلم للأجيال؟ بل نسأل أيضًا: ماذا قدم العالم للمعلم حين أصبح هو نفسه في حاجة إلى من ينقذه؟

leader

صحيفة الكترونية تهتم بالشأن السوداني

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى