مقالات

بحر أبيض: واسطة عقد السودان

بقلم : د. عبد العظيم ميرغني

بحر أبيض: واسطة عقد السودان

ترى بعض المدارس الفلسفية أن الأرض التي يعيش فيها الإنسان—بكل ما تحمل من موقع وموارد وتضاريس ومناخ—تشكل طباعه وسلوكه وثقافته.

فعزلة الجزر البريطانية ولّدت التمسك بالتقاليد والأعراف لدي البريطانيين.

وتقارب الرقعة في فرنسا أفرز قلقًا فكريًا وتاريخًا مليئًا بالصدامات لدى الفرنسيين.

أما العزلة الجبلية والمائية والاتصال الخارجي المحدود في اليابان، فقد رسخ انصهار الفرد في الجماعة وفكرة وحدة الأمة لدى اليابانيين.

وفي السودان، حبث السهول الشاسعة المنسابة والتدرج المناخي من الشمال الصحراوي إلى الجنوب الاستوائي أنتجت مجتمعًا متنوعًا، ميالًا للتعايش والتسامح والكرم.

وقد تجلت هذه القيم حتى في إرثه القتالي؛ فقد ورد في تاريخ الممالك الإسلامية في السودان أن قيلي أبو قرون، ملك تقلي، كان يقاتل جيوش الفونج نهاراً، ثم يبعث إليهم بالطعام ليلاً، في مشهد يجسد فروسية تتناغم مع قيم الكرم والتعايش.

وفي قلب هذا المشهد، تتربع بحر أبيض بموقعها الوسطي وأرضها المفتوحة على ولايات البلاد، الغربية والشرقية، ونهرها الهادئ الذي يعكس مزاج سكانها اللين وروحهم المسالمة.

من هذا التوازن الطبيعي والبشري ينبثق نموذج استثماري فريد في بحر ابيض، يعرف في عالم استراتيجيات الاستثمار، باستراتيجية الجذب؛ حيث لا تُطارد الفرص، بل تُصنع بيئة تجعل الاستثمار نتيجة طبيعية لمجتمع متماسك كمجتمع بحر أبيض يعرف كيف يدير الازمة دون ان ينزلق في الفوضى، واقتصاد إنتاجي، وموقع استراتيجي يربط مناطق الإنتاج بالأسواق.

عندما تجتمع هذه العناصر، تتأسس بيئة استثمارية طويلة الأمد قائمة على الثقة والاستقرار.

فقط من يا ترى يستثمر كل هذا، ويحوّله إلى تنمية حقيقية مستدامة في بحر أبيض.

تحاتي، وتقديري العميق.

leader

صحيفة الكترونية تهتم بالشأن السوداني

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى