مقالات

الاستراتيجية كمحرّك للتحول: كيف تنجح الأمم مهما اختلفت نظم الحكم؟

بقلم : د. محمد صلاح علي الفكي

 

الاستراتيجية كمحرّك للتحول: كيف تنجح الأمم مهما اختلفت نظم الحكم؟

بينما ينشغل كثيرون بتفسير الفشل التنموي بتغيّر الأنظمة أو تبدّل الحكومات، تثبت التجارب العالمية أن النجاح الاستراتيجي لا يُولد من رحم نوع النظام السياسي بل من فاعلية الدولة، ومؤسساتها، ورؤية بعيدة المدى، وقدرتها على التحول الرقمي والتنمية المستدامة. هذا المقال ينظر في تجارب دول استطاعت أن تضمن الاستمرارية والنجاح رغم اختلاف أنظمتها؛ في مقابل مجتمعات فقدت البوصلة، مثل السودان، حيث يعاني المواطن من فقدان الهوية، والتشرد، والشتات، في غياب مشروع وطني جامع.

نجاح الاستراتيجية لا يرتبط بشكل الحكم، بل بجوهر الدولة

الدولة الناجحة هي التي تؤسس لاستراتيجية قومية طويلة المدى تُصمم بتوافق مؤسسي وطني، وتُنفذ ضمن منظومة حوكمة فعالة، وتظل مستمرة رغم تغير الأشخاص. وفيما يلي بعض النماذج الدولية مع أبرز المؤشرات الكمية الموثقة:

1. سنغافورة – نظام شبه شمولي برؤية تنموية

لم تكن ديمقراطية على النمط الغربي، لكنها أسست على يد لي كوان يو دولة مؤسسات. تتبنى سنغافورة استراتيجيات طموحة مثل “الخطة الخضراء 2030” التي تستهدف زراعة مليون شجرة إضافية، وخفض النفايات المرسلة إلى المكبات بنسبة 30%، وجعل جميع السيارات المسجلة حديثاً تعمل بالطاقة النظيفة. وفي ميزانية 2026، خصصت استثمارات ضخمة بقيمة 37 مليار دولار سنغافوري ضمن خطة RIE2030 للبحث والابتكار، بزيادة 32% عن الخطة السابقة. وتركز هذه الخطة على أربعة مجالات رئيسية: التصنيع والتجارة، صحة الإنسان، الحلول الحضرية والاستدامة، والأمة الذكية والاقتصاد الرقمي. كما تم إطلاق بعثات وطنية للذكاء الاصطناعي في قطاعات التصنيع المتقدم والتمويل والرعاية الصحية.

2. النرويج – ملكية دستورية برؤية اجتماعية مستدامة

تستثمر النرويج عائدات النفط في صندوق سيادي طويل الأجل، الذي بلغت قيمته 2.2 تريليون دولار في يناير 2026، مسجلاً نمواً سنوياً قدره 160 مليار دولار. يستثمر الصندوق في حوالي 7,200 شركة عالمية، ويمتلك 1.5% من إجمالي الأسهم المدرجة في العالم. وقد حققت استثمارات الصندوق عائداً بنسبة 15.1% في 2025، مع تفوق ملحوظ لقطاعات التكنولوجيا والمواد الأساسية، مدفوعة بارتفاع أسعار الذهب والفضة والمعادن الأخرى. هذا النموذج يضمن استدامة الأجيال القادمة وتحويل المورد الناضب إلى ثروة متجددة.

3. رواندا – جمهورية رئاسية برؤية ما بعد الأزمة

بعد مأساة الإبادة الجماعية، تبنّت رواندا استراتيجية قومية طموحة. أطلقت “رؤية 2050” في ديسمبر 2020، التي تهدف إلى تحويل البلاد إلى دولة ذات دخل متوسط أعلى بحلول 2035 (نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي يتجاوز 4,036 دولاراً)، ودخل مرتفع بحلول 2050 (نصيب الفرد يتجاوز 12,476 دولاراً). وقد نجحت الرؤية السابقة “رؤية 2020” في تحقيق 26% من مؤشراتها بحلول 2012، وخفض معدل الفقر من 78% بعد 1994 إلى 38% في 2017. رغم محدودية الموارد، أصبحت رواندا من أكثر الدول نمواً في أفريقيا بفضل الرقمنة وتمكين المرأة والمصالحة الوطنية.

4. الصين – نظام مركزي برؤية اقتصادية استشرافية

لم تمنع المركزية من التخطيط لعقود قادمة، وتحقيق التحول من دولة زراعية إلى مصنع العالم، مع اعتماد واسع على الرقمنة والذكاء الاصطناعي. خطط الخمس سنوات المتتالية ضمنت استمرارية السياسات رغم تغير القيادات.

5. الإمارات – نظام ملكي اتحادي وراثي برؤية مستقبلية رقمية

استطاعت الإمارات تحويل نموذج الحكم الاتحادي إلى منصة تطوير مستدامة. أطلقت “نحن الإمارات 2031” التي تستهدف رفع الناتج المحلي الإجمالي من 1.49 تريليون إلى 3 تريليون درهم، وزيادة الصادرات غير النفطية إلى 800 مليار درهم، ورفع قيمة التجارة الخارجية إلى 4 تريليونات درهم. كما أطلقت “مئوية الإمارات 2071” كخارطة طريق لأفضل دولة في العالم بحلول الذكرى المئوية لقيام الدولة، تستند إلى أربعة محاور رئيسية: حكومة تستشرف المستقبل، تعليم للمستقبل، اقتصاد معرفي متنوع، ومجتمع أكثر تماسكاً.

الرقمنة كأداة تنفيذ استراتيجية 

التحول الرقمي لم يعد خيارًا، بل شرطًا لنجاح أي خطة تنموية. الدول التي أدرجت الرقمنة ضمن خططها الاستراتيجية استطاعت ضبط الأداء، مكافحة الفساد، وتيسير الخدمات.

إستونيا، الدولة الرقمية الأولى في العالم، تقدم 98.9% من الخدمات الحكومية للشركات و95.8% للمواطنين بشكل إلكتروني. وتحتل المركز الثالث عالمياً في مؤشر الأمم المتحدة لتطور الحكومة الرقمية 2024. وتمتلك إستونيا 62.6% من السكان بمستوى أساسي على الأقل من المهارات الرقمية، متفوقة على المتوسط الأوروبي، كما أن نسبة المتخصصين في تكنولوجيا المعلومات تبلغ 6.7% من القوى العاملة، ونسبة الإناث في هذا القطاع تصل إلى 26.8%، وهي من أعلى النسب في الاتحاد الأوروبي.

السودان: فجوة في التنفيذ، لا في الرؤية

في المقابل، يُعاني السودان من فجوة تنفيذ مزمنة، وليس من نقص في الرؤى أو الخطط. فالسودان ربما يكون من أكثر الدول العربية والإفريقية إنتاجاً للخطط الاستراتيجية والدراسات والمشاريع الطموحة. على مدى العقود الماضية، صدرت وثائق لا حصر لها: الاستراتيجية القومية للشباب، السياسة السكانية، الاستراتيجية الوطنية للتعليم العالي، خطة النهضة الزراعية، وغيرها كثير. لكن هذه الخطط بقيت حبيسة الأدراج، تزينها الأغلفة البراقة، بينما يغرق الواقع في الفشل ذاته.

المشكلة ليست في غياب الرؤية، بل في انعدام الآليات التي تحول الرؤية إلى واقع. فغياب المؤسسات المستقرة، وضعف آليات المساءلة، واستشراء الفساد، وعدم الاستمرارية مع تغير الحكومات، كلها عوامل تحول الخطط الاستراتيجية إلى حبر على ورق. الدولة غائبة، والمؤسسات منهارة، والعقول مهاجرة. يعيش الناس في واقع فقدان جماعي للهوية، يعاني فيه المواطن من التشرد والشتات والحنين لوطن لا يعرفه كما يجب.

نجاح الأمم ليس مرهونًا بكون نظامها ملكيًا أو جمهوريًا أو غير ذلك، ولا بوفرة الرؤى والخطط، بل مرهون بقدرتها على التنفيذ، وبمدى احترامها للمؤسسات، واعتمادها على البيانات، ومراعاتها للأجيال القادمة.

توصيات لسد فجوة التنفيذ

أولاً: بناء رؤية استراتيجية وطنية جامعة

تشكيل لجنة وطنية عليا للتخطيط الاستراتيجي تضم خبراء وكفاءات من الداخل والمهجر، تعمل على صياغة رؤية قومية طويلة المدى (2040-2050) بتوافق مجتمعي واسع. إخضاع الرؤية لنقاش مجتمعي شامل لتكون وثيقة جامعة لا تتغير بتغير الحكومات. تحويل الرؤية إلى خطط خمسية مرحلية قابلة للتنفيذ:

· المرحلة الأولى (2025-2030): وضع الأسس المؤسسية والتشريعية، وبدء التحول الرقمي للخدمات الأساسية، واسترداد الموارد المنهوبة.

· المرحلة الثانية (2030-2035): تطوير الصناعات التحويلية، ورفع نسبة التصنيع المحلي للموارد الطبيعية.

· المرحلة الثالثة (2035-2040): التحول إلى اقتصاد المعرفة، وزيادة مساهمة التكنولوجيا في الناتج المحلي.

· المرحلة الرابعة (2040-2050): تحقيق الريادة الإقليمية والتنمية المستدامة الشاملة.

ثانياً: بناء دولة المؤسسات والحوكمة الرشيدة

الفصل بين السلطات وضمان استقلالية القضاء كضمانة لاستمرارية السياسات. إنشاء هيئة عليا مستقلة للرقابة على الأداء الحكومي ومكافحة الفساد. اعتماد معايير الكفاءة والشفافية في تولي المناصب القيادية .

ثالثاً: التحول الرقمي كأولوية وطنية

إطلاق برنامج وطني شامل للتحول الرقمي برقمنة الخدمات الحكومية الأساسية (الأحوال المدنية، الجمارك، الضرائب، الأراضي). إنشاء بنية تحتية رقمية متطورة مع تأمين سيبراني. تطوير منصة وطنية موحدة للخدمات الحكومية الإلكترونية تربط جميع الوزارات والهيئات، وتتيح للمواطن إنهاء معاملاته دون تدخل بشري. رصد ميزانية محددة (مثلاً 2-3% من الميزانية العامة) للتحول الرقمي، مع مؤشرات أداء كمية (نسبة الخدمات المؤتمتة، نسبة رضا المواطنين، التوفير في الوقت والتكلفة).

رابعاً: الاستثمار في رأس المال البشري

إعادة هيكلة التعليم ليكون قائماً على المهارات والابتكار، وربطه باحتياجات سوق العمل المستقبلية. إطلاق برامج وطنية لاستقطاب الكفاءات المهاجرة، وتوفير حوافز للعقول السودانية في الخارج. إنشاء مراكز تميز في التخصصات الحديثة (الذكاء الاصطناعي، تحليل البيانات، الأمن السيبراني).

خامساً: استدامة التمويل وإدارة الموارد

إنشاء صندوق سيادي للثروة يدير فوائض الموارد الطبيعية (الذهب، النفط، الصمغ العربي) لصالح الأجيال القادمة، على غرار النموذج النرويجي. تنويع مصادر الدخل عبر تشجيع الصناعات التحويلية والزراعة المستدامة والخدمات الرقمية. تطوير شراكات دولية عادلة تنقل التكنولوجيا وتدرب الكوادر، بدلاً من اتفاقيات استنزاف الموارد.

سادساً: آليات ربط التخطيط بالتنفيذ والمتابعة (نموذج مقترح)

إنشاء “المجلس الأعلى للتخطيط الاستراتيجي ومتابعة التنفيذ” كهيئة عليا مستقلة تتبع رئاسة مجلس الوزراء مباشرة، وتتكون من ثلاثة أقسام رئيسية:

1. وحدة التخطيط الاستراتيجي: تعنى بتطوير الخطة الاستراتيجية الوطنية بالتعاون مع جميع القطاعات، ومواءمة الأهداف الاستراتيجية مع الرؤية الوطنية، وتطوير المبادرات وخططها بناءً على الأولويات، ونشر ثقافة التخطيط الاستراتيجي وإدارة التغيير.

2. وحدة إدارة المبادرات ومتابعة التنفيذ: تتولى التنسيق والمتابعة لتنفيذ المبادرات من قبل الجهات التنفيذية، واستقبال المبادرات من المنسوبين والمساعدة في إعدادها وتطويرها، ووضع جداول زمنية محددة لكل مشروع مع آليات للتدخل المبكر عند حدوث تأخير.

3. وحدة إدارة الأداء والتقارير: تعنى بإعداد مؤشرات الأداء الاستراتيجية لمتابعة تنفيذ الاستراتيجية، ووضع مؤشرات أداء للإدارات بما يتناسب مع الخطة الاستراتيجية، وإعداد التقارير الدورية (ربع سنوية) والرفع بها إلى الإدارة العليا.

آليات العمل:

· اعتماد نظام التقارير الدورية (ربع سنوية) حول تقدم التنفيذ، تنشر للرأي العام لضمان الشفافية والمساءلة.

· ربط ترقيات القيادات التنفيذية وتقييم أدائها بمدى تحقيقها لمؤشرات الأداء المتفق عليها في الخطط الاستراتيجية.

· إنشاء قاعدة بيانات وطنية رقمية لمتابعة المشروعات الكبرى، متاحة للجهات الرقابية والمجتمع المدني.

· تطبيق أدوات رقمية للتتبع والمراقبة مثل لوحات المؤشرات التفاعلية (Dashboards) التي تظهر تقدم التنفيذ في الوقت الفعلي.

سابعاً: البناء على مشاريع سودانية قائمة كنقطة انطلاق

لتسهيل الانتقال من التخطيط إلى التنفيذ، يمكن الاستفادة من مشاريع ومبادرات سودانية قائمة وتوسيع نطاقها ضمن الرؤية الاستراتيجية، مع الاستناد إلى مؤشرات أداء واقعية:

1. مشروع الجزيرة الزراعي: من مورد مائي إلى منطقة صناعية متكاملة

يعد مشروع الجزيرة أكبر مشروع زراعي مروي في أفريقيا، بمساحة تقدر بنحو 2.1 مليون فدان، ويعتمد عليه أكثر من 2.5 مليون نسمة. ورغم تراجع إنتاجيته، لا يزال يمتلك بنية تحتية من قنوات ري رئيسية وفرعية تمتد لآلاف الكيلومترات. يمكن أن يكون نواة للنهضة الزراعية من خلال:

· إعادة هيكلته إدارياً وفنياً لرفع كفاءة الري من 30% إلى 60%.

· تطوير نظم الري الحديثة في 500 ألف فدان كنواة أولى.

· تحويل 100 ألف فدان إلى زراعة تعاقدية مع صناعات تحويلية للقطن والسكر والخضروات.

· إنشاء 3 مصانع تحويلية كمرحلة أولى لرفع القيمة المضافة للمحاصيل من 20% إلى 60%.

المؤشر المستهدف: رفع مساهمة المشروع في الناتج المحلي الزراعي من 12% إلى 25% بحلول 2030.

2. هيئة الطاقة الذرية: إحياء مركز التميز العلمي

تأسست الهيئة عام 1967، وضمت في سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي نخبة من العلماء السودانيين في مجالات الفيزياء النووية والطب الإشعاعي. رغم تراجعها، لا تزال تمتلك بنية تحتية من معامل ومفاعل بحثي وكوادر يمكن إعادة تأهيلها. يمكن الاستفادة منها عبر:

· إعادة تأهيل مفاعل الأبحاث للاستخدامات السلمية في إنتاج النظائر المشعة للعلاج.

· إنشاء وحدة متخصصة للعلاج الإشعاعي للأورام في الولايات الرئيسية.

· تطبيق التقنيات الإشعاعية في تحسين المحاصيل الزراعية ومكافحة الآفات.

· تدريب 500 كادر متخصص في السنوات الخمس الأولى.

المؤشر المستهدف: خفض فاتورة استيراد النظائر المشعة بنسبة 30%، وتوفير خدمات العلاج الإشعاعي لـ 10 آلاف مريض سنوياً بحلول 2030.

3. شركة سوداتل والبنية التحتية للاتصالات: نحو حكومة رقمية

تمتلك شبكات الاتصالات السودانية تغطية تصل إلى 85% من المناطق المأهولة بالسكان، مع بنية تحتية من أبراج وكابلات ألياف ضوئية. يمكن البناء على ذلك عبر:

· تطوير منصة وطنية للخدمات الحكومية الإلكترونية، تبدأ برقمنة 20 خدمة أساسية في المرحلة الأولى (الأحوال المدنية، الجوازات، الضرائب، الأراضي).

· إنشاء مركز بيانات وطني مؤمن يربط جميع الوزارات والهيئات.

· تدريب 5 آلاف كادر حكومي على التحول الرقمي.

· إطلاق تطبيق موحد للخدمات الحكومية على الهواتف الذكية.

المؤشر المستهدف: تقليل زمن إنهاء المعاملات الحكومية بنسبة 70%، ورفع نسبة رضا المواطنين إلى 60% بحلول 2028.

4. مبادرة “عقول سودانية”: استرداد الكفاءات المهاجرة

تشير التقديرات إلى وجود أكثر من 500 ألف كادر سوداني مؤهل في الخارج، بينهم 50 ألف طبيب ومهندس وأكاديمي. يمكن إطلاق برنامج وطني رسمي لحصر هذه الكفاءات عبر:

· إنشاء قاعدة بيانات وطنية للكفاءات السودانية في الخارج، تستهدف تسجيل 50 ألف كادر في المرحلة الأولى.

· إطلاق منصة إلكترونية تفاعلية تربطهم بفرص المساهمة في مشروعات التنمية الوطنية (استشارات عن بعد، تدريب، زيارات علمية، عودة مؤقتة أو دائمة).

· تقديم حوافز ضريبية وإجرائية، تشمل إعفاءات جمركية على معدات البحث العلمي، ورواتب محفزة للعائدين.

· إنشاء صندوق تمويلي للمشاريع الابتكارية التي يقترحها المغتربون.

المؤشر المستهدف: استقطاب 10 آلاف كادر للمساهمة في مشروعات التنمية خلال 5 سنوات، وعودة 2 آلاف كادر بصورة دائمة بحلول 2030.

5. مشروع السكة حديد والبنية التحتية للنقل: شريان التنمية اللوجستية

يمتلك السودان شبكة سكة حديد بطول 4,500 كيلومتر، وهي ثاني أطول شبكة في أفريقيا، لكنها تعمل بأقل من 10% من طاقتها. يمكن تطويرها عبر:

· تأهيل الخط الرئيسي الرابط بين الخرطوم وبورتسودان بطول 800 كم، لرفع سرعة القطارات من 30 كم/ساعة إلى 80 كم/ساعة.

· إنشاء محطات لوجستية متكاملة في المناطق الإنتاجية (الجزيرة، كوستي، الأبيض) لربط الإنتاج الزراعي والتعديني بالموانئ.

· تطوير ميناء بورتسودان لاستيعاب الزيادة المتوقعة في الصادرات، مع إنشاء منطقة لوجستية حرة.

· الشراكة مع القطاع الخاص في إدارة وتشغيل الخطوط الرئيسية.

المؤشر المستهدف: زيادة كمية الصادرات المنقولة عبر السكة حديد من 500 ألف طن سنوياً إلى 3 ملايين طن، وخفض تكاليف النقل بنسبة 40% بحلول 2030.

الدرس الأهم من تجارب الأمم الناجحة هو أن الاستمرارية أهم من السرعة، وأن المؤسسات أهم من الأشخاص، وأن التوافق أهم من الإقصاء. سنغافورة استثمرت 37 مليار دولار في البحث والابتكار ضمن خطة عشرية واضحة. النرويج أدارت صندوقها السيادي بـ2.2 تريليون دولار لضمان حقوق الأجيال القادمة. رواندا حددت أهدافاً كمية طموحة لنصيب الفرد من الناتج المحلي في 2035 و2050. إستونيا وصلت إلى 99% من الخدمات الإلكترونية ووفرت آلاف الساعات من وقت العمل سنوياً. الإمارات وضعت خطة مرحلية تمتد إلى 2071 بمؤشرات أداء واضحة.

هذه الدول لم تتفوق لأن لديها خططاً استراتيجية أكثر، بل لأنها أقامت آليات تضمن تنفيذ ما تخطط له، ومؤسسات تحمي الخطط من عبث التغيير، وإرادة سياسية تترجم الرؤية إلى واقع، ومؤشرات أداء كمية تتيح المتابعة والمساءلة.

السودان ليس فقيراً، وليس عاجزاً، وليس أقل كفاءة من غيره. وما ينقصه ليس رؤية أو خطة، بل مشروع وطني جامع يتجاوز المصالح الآنية، وإرادة سياسية حقيقية للتنفيذ، ومؤسسات تحمي الاستراتيجية من عبث المتغيرات، وآليات رقابة تضمن عدم تحول الخطط إلى حبر على ورق. الثروة الحقيقية ليست في باطن الأرض فقط، ولا في وثائق الاستراتيجيات المتراكمة، بل في قدرة الأمة على تحويل الرؤية إلى فعل، والخطة إلى واقع، والوعد إلى إنجاز.

فالسودان الذي صبر شعبه على الجوع والفقر رغم ثراء أرضه، وأنجب عقولاً أضاءت العالم في شتى المجالات، يستحق أن تتحول معاناته إلى قوة دافعة للتغيير. والمعركة الحقيقية اليوم هي معركة سد فجوة التنفيذ، وبناء الدولة، واسترداد الهوية، وإعادة الاعتبار للمواطن. إنها معركة لا تقل أهمية عن معارك التحرير، بل هي جوهرها الحقيقي.

نعم، أنا مع دولة المؤسسات، وتداول السلطة، ووضوح الرؤية، ونجاح التنفيذ. فالاستراتيجية الناجحة لا تحتاج إلى ضجيج… بل إلى مؤسسات تمشي بها بثبات نحو المستقبل، وآليات تحول الكلمات إلى أفعال، والأحلام إلى حقيقة، ومؤشرات كمية تقيس التقدم وتضمن المساءلة.

leader

صحيفة الكترونية تهتم بالشأن السوداني

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى