
سيزيف في الخرطوم:
في ماهية الدولة ومعنى التكرار
لنسأل اولا قبل ان نحكم: ما الذي يعنيه ان يسقط نظام؟ وهل سقوطه تغيير في جوهر الدولة ام تبدل في صورتها؟ فان كنا لا نميز بين الجوهر والصورة فكيف لنا ان نفهم ما يحدث حولنا؟
في السودان يتكرر مشهد يثير التساؤل اكثر مما يقدم اجابة. نسقط نظاما ثم لا نلبث ان نعود فننظر اليه بعين مختلفة. فما الذي تغير؟ هل تغير الماضي ام تغير حكمنا عليه؟ وان كان حكمنا يتبدل بهذه السرعة فهل الخلل في الذاكرة ام في الفهم؟
يقال ان سيزيف قد حكم عليه ان يدفع صخرة الى قمة جبل وكلما اقترب سقطت منه فعاد من جديد. لكن السؤال ليس في القصة بل في معناها. هل كان سيزيف عاجزا عن الوصول ام انه كان يعيد الفعل نفسه دون ان يغير طريقه؟ وهل يكون التكرار عقابا في ذاته ام نتيجة لغياب الفهم؟
اذا كان الامر كذلك وجب ان نسأل: هل نحن نسعى الى التغيير ام نكرر صورته؟ وهل يكفي ان نسقط حاكما حتى نقول اننا غيرنا الدولة؟ ام ان الدولة شيء اخر لا يسقط بسقوط الاشخاص؟
ثم ما هي الدولة اصلا؟ اهي سلطة تفرض النظام ام فكرة يقوم عليها المجتمع؟ فان كانت سلطة امكن تبديلها بسهولة. اما ان كانت فكرة فان غيابها يجعل كل سلطة عابرة مهما طال زمنها.
وهنا يظهر امر اخر. نحن نطلب الحرية ثم نقلق من نتائجها اذا لم تقترن بالنظام. فنميل الى النظام ولو على حساب الحرية. فهل هذا تناقض فينا ام اننا لم نعرف بعد كيف نجمع بينهما؟ وهل يمكن لحرية بلا نظام ان تدوم او لنظام بلا حرية ان يستقر؟
اما الحنين الى الماضي فليس حكما بسيطا كما يبدو. فهل نحن نشتاق الى ما كان ام الى ما نظن انه كان؟ وهل الذاكرة تنقل الحقيقة ام تعيد تشكيلها بما يناسب الحاضر؟ فان كان الحاضر مضطربا اليس من الطبيعي ان يبدو الماضي اكثر اتساقا؟
لعل السؤال الذي ينبغي ان نختم به ليس لماذا تتكرر الازمات بل ما طبيعة هذا التكرار؟ اهو قدر لازم ام فعل نعيد انتاجه؟ فان كان قدرا فلا معنى للسؤال. اما ان كان فعلا فلابد ان له سببا.
وعند هذا الحد يظهر السؤال الاهم: هل نعرف ما الذي نبحث عنه حين نقول اننا نريد التغيير؟ فان لم نعرف الغاية كيف نميز الطريق؟
هكذا لا تكون قصة سيزيف حكاية عن رجل وصخرة بل عن معنى الفعل حين ينفصل عن الفهم. وعندها لا يكون العجز في القوة بل في المعرفة. ولا يكون السؤال كيف ندفع الصخرة بل كيف نفهم الجبل الذي نصعده.







