مقالات

الأتراك والإنجليز في السودان: قراءة متوازنة للتأثير التاريخي

بقلم  : د. محمد صلاح علي الفكي

 

الأتراك والإنجليز في السودان: قراءة متوازنة للتأثير التاريخي

الحكم التركي المصري (1821–1885)

جاء الحكم التركي باسم الدولة العثمانية، لكنه كان إدارة مصرية بقيادة محمد علي باشا، في إطار التوسع العثماني الذي ضم مناطق واسعة من العالم الإسلامي. انطلقت الحملة العسكرية من القاهرة في يوليو ١٨٢٠م بقيادة إسماعيل كامل باشا، الابن الثالث لمحمد علي، ووصلت إلى سنار في يونيو ١٨٢١م منهية بذلك حكم سلطنة الفونج.¹

الإدارة وتأسيس الدولة

في هذه الحقبة، دخل السودان مرحلة جديدة من التنظيم الإداري. تم توحيد أقاليمه تحت سلطة مركزية، وأنشئت دواوين وإدارات شكلت نواة الدولة الحديثة. فقد أسس حكام هذه الفترة ديوان الخراج (الخاص بالضرائب) وديوان الجهادية (الخاص بالجيش) في عشرينيات وثلاثينيات القرن التاسع عشر. وهذه الهياكل تطورت لاحقاً لتصبح نواة وزارتي المالية والدفاع في الدولة السودانية المعاصرة.

كما دعمت الإدارة القضاء الشرعي، وعززت التعليم الديني، وثبتت اللغة العربية كلغة رسمية. وربطت السودان بمصر والعالم الإسلامي عبر الحج والتجارة.

وتجدر الإشارة إلى أن الهوية الإسلامية والعربية كانت راسخة قبل ذلك بقرون عبر سلطنة الفونج (١٥٠٤–١٨٢١) والممالك الإسلامية المحلية. وقد وثق كتاب “طبقات ود ضيف الله” (الذي أُلِّف في القرن الثامن عشر الميلادي) سير العلماء والمتصوفة والفقهاء في السودان خلال تلك الفترة، مسلطاً الضوء على أدوارهم الدينية والاجتماعية وتأثيرهم في تشكيل الهوية الثقافية للسودانيين.² غير أن هذه الحقبة عمقت التواصل مع المراكز الإسلامية الكبرى وأدخلت السودان في شبكة سياسية أوسع.

غير أن هذه الحقبة حملت جوانب سلطوية واضحة، تمثلت في نظام الجباية القسرية الذي أرهق المزارعين والتجار، ودفع العديد من القبائل للثورات المتكررة. كما اعتمدت الإدارة على سياسات احتكار التجارة الخارجية لصالح الوالي المصري، مما أضعف الاقتصادات المحلية التقليدية.³

التحول الزراعي والاقتصادي

أسهمت الإدارة التركية المصرية في إدخال أنماط جديدة من الزراعة المنظمة، وتطوير الري على ضفاف النيل. فقد دعمت زراعة القطن في مناطق دلتا طوكر والقاش، وأدخلت أصنافاً مصرية جُرّبت في الزيداب ودلتا بركة والجزيرة. كما أدخل التاجر الأرمني أرتين أراكيليان زراعة التبغ في القضارف عام ١٨٥٩م.⁴

هذا التوجه ساعد على إدماج السودان في السوق العالمي، خاصة أثناء الحرب الأهلية الأمريكية (١٨٦١–١٨٦٥) التي رفعت الطلب على القطن. وكانت هذه التجارب مقدمة لمشروعات أكبر لاحقاً، مثل مشروع الجزيرة الذي بدأت تجاربه المبكرة في نفس المناطق قبل أن ينشأ رسمياً في العهد الإنجليزي.

هذا التحول نحو الاقتصاد التصديري وضع السودان في دائرة الاقتصاد العالمي، لكنه خلق أيضاً بنية اقتصادية هشة مرتبطة بتقلبات السوق العالمية. كما أدى إلى ظهور علاقات إنتاج جديدة اعتمدت على تسخير العمالة المحلية في مزارع واسعة، مع تهميش تدريجي للزراعة المعاشية التقليدية. ولا يزال أثر ذلك ملموساً حتى اليوم، فمشاريع مثل حلفا الجديدة (الذي تأسس عام ١٩٦٣) والرهد (الذي تأسس عام ١٩٧٧) والقطينة ما زالت تعتمد على ذات البنية الزراعية التي تأسست في تلك الفترة. كما أن القطن ظل لعقود العمود الفقري للصادرات السودانية قبل اكتشاف النفط.⁵

مفهوم الحكم

شهد السودان تحولاً في مفهوم الحكم ذاته. فبعد أن كانت السلطة موزعة بين سلطانات ومشيخات إقليمية، انتقل إلى نموذج الدولة المركزية ذات الجهاز الإداري المنظم. وقد ربطت الأقاليم بالعاصمة عبر تسلسل بيروقراطي واضح.

أسهم ذلك في ترسيخ فكرة الدولة الموحدة ذات السيادة على كامل الإقليم، وظهور طبقة إدارية محلية اكتسبت خبرة في إدارة الشأن العام. لا تزال بعض ملامح هذا التنظيم الإداري قائمة في هياكل الحكومة السودانية حتى اليوم. فمصطلحات مثل “حاكم مديرية” تطورت إلى “والي ولاية”، والتقسيم الإداري للبلاد إلى ولايات يحمل في جوهره ذات المنطق الإداري الذي أسسته تلك الحقبة.

البنية التحتية المبكرة

شهد عام ١٨٧٥ إنشاء أول خط سكة حديد في السودان في عهد الخديوي إسماعيل، حيث ربط خط حلفا – صرص بطول ٥٤ كم بهدف تعزيز التجارة بين مصر والسودان. ورغم أن هذا الخط لم يستمر طويلاً وتم إيقافه عام ١٨٧٨، إلا أنه مثل أول تجربة للسكك الحديدية في البلاد، ومهد لفكرة الربط بين الشمال والجنوب.⁶

الحكم الإنجليزي (١٨٩٩–١٩٥٦)

دخل الإنجليز السودان عام ١٨٩٩ عبر اتفاقية الحكم الثنائي مع مصر، بهيمنة بريطانية فعلية. وكان هذا الحكم استعمارياً بامتياز، استهدف خدمة مصالح التاج البريطاني، واعتمد على سياسات الهيمنة والإدارة غير المباشرة. لكن القراءة المتوازنة تقتضي النظر أيضاً لإسهاماته المؤسسية.

البنية الاقتصادية: نحو اقتصاد كولونيالي تابع

يمكن فهم البنية الاقتصادية التي أنشأها الإنجليز في السودان من خلال مفهوم “الاقتصاد الكولونيالي التابع” (Colonial Dependent Economy)، حيث يُعاد توجيه الاقتصاد المحلي لخدمة احتياجات المركز الاستعماري، عبر التخصص في إنتاج سلعة أولية واحدة للتصدير (القطن)، مع إهمال التنويع الاقتصادي والصناعات المحلية.⁷

فقد أنشأوا مشروع الجزيرة الذي بدأت تجاربه الأولى عام ١٩١١ بمساحة ٢٥٠ فداناً في منطقة طيبة وكركوج شمال ود مدني، وتم الافتتاح الرسمي للمشروع في يوليو ١٩٢٥ بعد اكتمال خزان سنار.⁸ وقد تحول هذا المشروع إلى أكبر مشروع مروي في العالم آنذاك، ووصلت مساحته إلى مليون فدان بحلول ١٩٤٣، ثم أضيف له امتداد المناقل (١٩٥٨-١٩٦٢) ليصبح ٢.٢ مليون فدان.⁹ ولا يزال هذا المشروع حتى اليوم يشكل رافداً أساسياً للاقتصاد السوداني، رغم ما مر به من تحديات.

إلا أن هذا النموذج الاقتصادي أنتج بنية اجتماعية معقدة، تميزت بعلاقات إنتاج شبه إقطاعية بين المزارعين وإدارة المشروع، كما خلق فجوة بين القطاع الزراعي الحديث والقطاع التقليدي. ولا تزال إشكاليات توزيع الأرباح وإدارة الموارد قائمة حتى اليوم.¹⁰

شبكة السكك الحديدية: التأسيس والتوسع

بدأ تشييد السكك الحديدية الرئيسي عام ١٨٩٧-١٨٩٨ لدعم الحملة العسكرية للجنرال كتشنر ضد الثورة المهدية. ويمكن تقسيم مراحل تطورها إلى:

أولاً: مرحلة التأسيس العسكري (١٨٩٧-١٩٠٠)

· اكتمال خط وادي حلفا – أبو حمد (٣٥٠ كم)

· ثم أبو حمد – عطبرة (٢٤٤ كم)

· فالخرطوم (٣١٣ كم) بحلول ١٨٩٩-١٩٠٠

· كان الهدف الأساسي لهذه المرحلة دعماً لوجستياً للقوات البريطانية.¹¹

ثانياً: مرحلة الربط الاقتصادي (١٩٠٥-١٩١١)

· في أكتوبر ١٩٠٥ اكتمل خط عطبرة – بورتسودان (٤٧٤ كم) لربط الخرطوم بالبحر الأحمر، مما فتح السودان للتصدير العالمي

· امتد الخط جنوباً إلى سنار والأبيض (١٩٠٩-١٩١١) بطول ٦٨٩ كم، لدعم تجارة الصمغ العربي والقطن¹²

ثالثاً: مرحلة التوسع الإداري (عشرينيات القرن العشرين)

· مد خط من هيا إلى كسلا (١٩٢٣-١٩٢٤)

· ثم إلى القضارف (١٩٢٤-١٩٢٨)

· وسنار (١٩٢٨-١٩٢٩)، لربط مناطق الإنتاج الزراعي شرقاً وغرباً¹³

عززت هذه الشبكة وحدة السوق وسرعة الاتصال الإداري، وما زالت تشكل العمود الفقري للنقل في السودان.

التنظيم الإداري

إدارياً، أدخلوا نظام الحكم المحلي بصيغته المقننة، وقسموا البلاد إلى مديريات ذات اختصاصات واضحة، وقد رسخ ذلك مفهوم الإدارة المؤسسية الحديثة. كثير من الأنظمة الإدارية المطبقة حالياً في الولايات والوحدات المحلية تستند إلى أسس وضعتها تلك الفترة.¹⁴

في المقابل، طبقت الإدارة الإنجليزية سياسة “المناطق المقفولة” (Closed Districts Ordinance) عام ١٩٢٢، التي فرضت قيوداً على تنقل التجار والشماليين إلى جنوب السودان، وعزلت الجنوب عن التأثيرات العربية والإسلامية. هذه السياسة عمقت الفجوة بين الشمال والجنوب، وساهمت في إرث من التباين التنموي والثقافي لا تزال آثاره ماثلة حتى اليوم.¹⁵

فعلى سبيل المثال، نظام المفوضيات والإدارات المتخصصة في الولايات الحالية هو امتداد مطور لنظام المديريات الذي أسسه الإنجليز، كما أن هيكل إدارة مشروع الجزيرة (الذي يتكون من ١٨ قسماً ميدانياً و١١٣ تفتيشاً) لا يزال قائماً حتى اليوم.¹⁶

التعليم والنخبة

تعليمياً، أسسوا كلية غردون التذكارية التي افتتحت رسمياً في ٨ نوفمبر ١٩٠٢، بعد تبرعات بلغت ١١١ ألف جنيه إسترليني جمعها اللورد كتشنر تخليداً لذكرى الجنرال تشارلز جورج غوردون.¹⁷ وفي عام ١٩٢٤ تأسست كلية الطب (مدرسة كتشنر الطبية) بدعم من حكومة السودان وأوقاف التاجر الإيراني أحمد هاشم البغدادي.¹⁸ ثم أضيفت مدرستا الزراعة والطب البيطري (١٩٣٨)، ومدرسة العلوم والهندسة (١٩٣٩)، ومدرسة الآداب (١٩٤٠). وفي عام ١٩٥١ اندمجت هذه الكليات لتصبح كلية الخرطوم الجامعية، ثم تحولت إلى جامعة الخرطوم عام ١٩٥٦.¹⁹

هذا التطور أحدث نقلة نوعية في التعليم النظامي على النمط الغربي، وأدى إلى نشوء نخبة متعلمة قادت لاحقاً الحركة الوطنية، مثل إسماعيل الأزهري ومحمد أحمد محجوب.²⁰ كما شهدت هذه الفترة تطوراً في الخدمات الصحية وأنظمة الري الحديث، وترسيخاً لفكرة الدولة القائمة على التخطيط والإدارة الفنية.

التباين والتكامل في بناء الدولة

يمكن تتبع الفروق الأساسية بين الحقبتين عبر عدة محاور رئيسية:

في مرجعية الحكم: انطلق الحكم التركي المصري من خلفية إسلامية شرقية، حيث شكلت الخلافة العثمانية الإطار المرجعي للسلطة، بينما قام الحكم الإنجليزي على أساس استعماري غربي، استهدف خدمة مصالح التاج البريطاني في المقام الأول.

في المجال الإداري: أسس الأتراك المصريون الدواوين المركزية مثل ديوان الخراج وديوان الجهادية (تأسسا في عشرينيات وثلاثينيات القرن التاسع عشر)، واضعين بذلك اللبنات الأولى للجهاز البيروقراطي الحديث. وفي المقابل، طور الإنجليز نظام المديريات وأدخلوا الحكم المحلي بصيغته المقننة في مطلع القرن العشرين، مما رسخ مفهوم الإدارة المؤسسية اللامركزية.

في الاقتصاد: ركزت الإدارة التركية المصرية على إدخال زراعة القطن التصديري في مناطق محدودة مثل طوكر والقاش في خمسينيات وستينيات القرن التاسع عشر، مما أدمج السودان في السوق العالمي. أما الإنجليز، فقد أنشأوا مشروع الجزيرة (١٩٢٥) ومدوا شبكة السكك الحديدية (١٨٩٧-١٩١١)، محولين السودان إلى أحد أهم موردي القطن عالمياً ضمن نموذج الاقتصاد الكولونيالي التابع.²¹

في التعليم: اعتمد العهد التركي المصري على التعليم الديني ودعم القضاء الشرعي والخلوات. بينما أحدث الإنجليز نقلة نوعية بتأسيس كلية غردون (١٩٠٢) وكلية الطب (١٩٢٤)، وإدخال التعليم النظامي على النمط الغربي، مما أنتج نخبة متعلمة قادت الحركة الوطنية.²²

في البنية التحتية: اقتصرت إنجازات العهد التركي المصري على مشاريع ري محلية وأول خط سكة حديد تجريبي (١٨٧٥). أما الإنجليز، فقد نفذوا مشاريع كبرى شملت شبكة سكك حديدية بطول آلاف الكيلومترات (١٨٩٧-١٩١١)، وخزان سنار (١٩٢٥)، وأنظمة الري الحديثة، والتي لا تزال تشكل العمود الفقري للبنية التحتية في السودان.²³

وكلاهما حمل جوانب سلطوية: فالحكم التركي المصري عرف بتعسفه وجباية الضرائب، والإنجليزي مارس سياسات الهيمنة والتهميش.

محدودية النموذج المركزي: قراءة نقدية

يثير تتبع مسار بناء الدولة في السودان سؤالاً تحليلياً جوهرياً: هل كانت المركزية الإدارية التي أرساها الحكم التركي المصري وعمقها الإنجليز ملائمة للبنية الاجتماعية السودانية المتعددة والمتنوعة؟ فالتركيبة القبلية والإثنية المعقدة، والتباين بين المركز والأطراف، والتنوع الثقافي بين الشمال والجنوب والغرب والشرق، كلها عوامل تجعل النموذج المركزي الصارم موضع تساؤل.

فقد نجحت المركزية في توحيد الأقاليم وخلق كيان سياسي موحد، لكنها في المقابل أخضعت التنوعات المحلية لمنطق إداري واحد، وأضعفت آليات الحكم التقليدية دون أن تقدم بدائل اندماجية حقيقية. هذا التوتر بين المركز والأطراف لا يزال يشكل أحد التحديات البنيوية في السودان المعاصر، ويفسر كثيراً من إشكاليات الحكم والتنمية والصراعات الإقليمية.²⁴

الجانب الاجتماعي والثقافي

لم يقتصر تأثير الحقبتين على الجانب الرسمي، بل امتد إلى المجتمع والثقافة الشعبية. ففي الفترة التركية المصرية، تعمقت جذور اللغة العربية كلغة للإدارة والتعليم الديني. كما انتشرت الطرق الصوفية وتوسعت شبكاتها بفضل الانفتاح على مصر والحجاز. وقد وثق كتاب “تاريخ ملوك السودان” (المعروف بمخطوطة كاتب الشونة) هذه الفترة من منظور محلي، حيث بدأ تدوينه قبل الغزو التركي المصري واستمر حتى عام ١٨٧١م، ليكون أحد المصادر الأساسية لفهم تاريخ السودان في عهدي سلطنة الفونج والحكم التركي المصري. وقد صدر أحدث تحقيق لهذا المخطوط عام ٢٠١٨م عن البروفيسور يوسف فضل حسن تحت عنوان “تاريخ ملوك سنار والحكم التركي المصري في السودان” (٤١٢ صفحة)، اعتمد فيه على عشر نسخ مختلفة موجودة في مكتبات القاهرة وإسطنبول ولندن وأكسفورد وفيينا.²⁵

أما في الفترة الإنجليزية، فقد ظهرت نخبة مثقفة ثنائية اللغة (عربية وإنجليزية). وتشكلت نقابات ومهن حديثة (أطباء، مهندسون، محامون). كما تطورت الصحافة والوعي السياسي المنظم. لا تزال ملامح هذا التأثير الثقافي ظاهرة في النخب السودانية المعاصرة وفي بنية المجتمع المدني.

نحو قراءة أكثر إنصافاً للتاريخ

إن فهم تاريخ السودان لا يكتمل باختزال أي مرحلة في صورة أحادية، سواء تمجيداً أو إدانة. فالتاريخ عملية تراكمية؛ تتداخل فيها عناصر القوة والقصور، وتتشكل عبرها المؤسسات والوعي السياسي والاجتماعي. إن القراءة المنصفة تستدعي النظر إلى الحقبتين بوصفهما مرحلتين متكاملتين في مسار تطور الحكم والإدارة في السودان، مع وعي بطبيعة كل سياق وحدوده، واستخلاص الفائدة من الإيجابيات مع عدم تجاهل السلبيات.

البعد النظري: الدولة ذات الوجهين في السودان

تمثل التجربة السودانية نموذجاً فريداً للدولة الهجينة التي يمكن وصفها بـ”الدولة ذات الوجهين: حداثية مؤسسياً، تقليدية شرعياً”. هذا التناقض البنيوي يشكل مفتاحاً لفهم إشكاليات الحكم في السودان المعاصر.

فمن ناحية، ورثت الدولة السودانية بنى مؤسسية حديثة من العهد الإنجليزي: نظام الحكم المحلي، الهياكل البيروقراطية، التعليم النظامي، والمؤسسات الاقتصادية الكبرى كمشروع الجزيرة. هذه المؤسسات تعمل وفق منطق إداري حديث، بموظفين متخصصين، وإجراءات مقننة، وهياكل هرمية.

ومن ناحية أخرى، ظلت شرعية الدولة مرتبطة بالمرجعيات التقليدية التي تعززت في العهد التركي المصري: الخطاب الديني، الانتماءات القبلية، والصلات مع المؤسسات الدينية. فالنخب الحاكمة تستمد شرعيتها من خطاب إسلامي، والقوانين تتأرجح بين الشريعة والتشريعات الحديثة، والولاءات السياسية لا تزال محكومة بالانتماءات التقليدية.

هذا الازدواج أنتج دولة ذات وجهين: حداثية في بنيتها المؤسسية، تقليدية في شرعيتها الثقافية. وهو ما يفسر كثيراً من الإشكاليات البنيوية: صعوبة بناء دولة قانون مستقلة، التوتر الدائم بين المركز والأطراف، أزمة الهوية بين الحداثة الغربية والمرجعية الإسلامية، والصراع بين النخب المتعلمة حديثاً والقوى التقليدية.²⁶

تجاوز هذا التناقض يستدعي مشروعاً وطنياً لإعادة هندسة الدولة، يعترف بالتعددية، ويوائم بين الحداثة المؤسسية والخصوصية الثقافية، دون أن يقع في فخ الاستلاب أو الانغلاق. فهل يمتلك السودان القدرة على تحويل وعيه التاريخي إلى رؤية استراتيجية للمستقبل؟

توصيات للبحث والقراءة المستقبلية

١. تعميق الدراسات المقارنة بين نماذج الإدارة في العهدين، لفهم تطور مفهوم الدولة المركزية والمؤسسية في السودان.

٢. إعادة تقييم أثر التعليم النظامي في تشكيل النخبة السياسية والإدارية خلال القرن العشرين، مع التركيز على دور خريجي كلية غردون وجامعة الخرطوم في قيادة الدولة بعد الاستقلال.²⁷

٣. دراسة التحولات الاقتصادية من الزراعة التقليدية إلى الاقتصاد الموجه للتصدير، وأثرها في البنية الاجتماعية وعلاقات الإنتاج، خاصة في مشاريع مثل الجزيرة (١٩٢٥) وحلفا الجديدة (١٩٦٣) والرهد (١٩٧٧).²⁸

٤. تشجيع قراءة التاريخ السوداني بمنهج تحليلي يتجاوز ثنائية التمجيد أو الإدانة، بالاستناد إلى مصادر أولية مثل “تاريخ ملوك السودان” و”طبقات ود ضيف الله”.²⁹

٥. بناء أجندة بحثية استراتيجية تهدف إلى إعادة هندسة النموذج الإداري السوداني في ضوء الإرث التاريخي، عبر استخلاص آليات للحكم تلائم التنوع الاجتماعي وتعالج إشكاليات المركزية الموروثة.

أسس الحكم التركي المصري (١٨٢١-١٨٨٥) لمفهوم الدولة المركزية والوحدة الإدارية، وعزز المرجعية الإسلامية كأساس للشرعية. وطور الإنجليز (١٨٩٩-١٩٥٦) البنية التحتية والتعليم الحديث ضمن نموذج الاقتصاد الكولونيالي التابع، وأرسوا البنى المؤسسية الحديثة. ولا تزال آثارهما ملموسة: وزارات المالية والدفاع امتداد لدواوين التركي المصري، ونظام الحكم المحلي يحمل بصمات التنظيم الإنجليزي، والاقتصاد يعتمد على الزراعة التصديرية، والنخب السياسية ثمرة التعليم النظامي.

هذا التراكم التاريخي أنتج “دولة ذات وجهين: حداثية مؤسسياً، تقليدية شرعياً” – نموذجاً يفسر كثيراً من إشكاليات الحكم في السودان المعاصر. فهل يمكن تجاوز هذا الإرث نحو نموذج حكم يستوعب التعددية ويعيد هندسة العلاقة بين المركز والأطراف، ويوائم بين الحداثة المؤسسية والخصوصية الثقافية؟

الإجابة تكمن في قدرة السودان على تحويل وعيه التاريخي إلى رؤية استراتيجية للمستقبل. استحضار هاتين المرحلتين برؤية متوازنة ضرورة لفهم تشكل الدولة السودانية المعاصرة، بعيداً عن المبالغة أو الاختزال. فالتاريخ وعي بالماضي واستشراف للمستقبل.

_________

الإحالات والمراجع

¹ يوسف فضل حسن، تاريخ ملوك سنار والحكم التركي المصري في السودان (الخرطوم: دار جامعة الخرطوم للنشر، ٢٠١٨)، ٨٧.

² محمد النور بن ضيف الله، طبقات ود ضيف الله، تحقيق يوسف فضل حسن (الخرطوم: دار جامعة الخرطوم للنشر، ١٩٧١)، ٢٣-٢٥.

³ ريتشارد هيل، مصر في السودان ١٨٢٠-١٨٨١، ترجمة محمد عمر بشير (الخرطوم: دار جامعة الخرطوم للنشر، ١٩٧٥)، ١١٥.

⁴ هيل، مصر في السودان، ١٤٢.

⁵ البنك الدولي، تقرير الاقتصاد السوداني ٢٠١٥ (الخرطوم: البنك الدولي، ٢٠١٦)، ٣٤.

⁶ هيل، مصر في السودان، ١٥٨.

⁷ وولتر رودني، كيف أوروبا تخلّف أفريقيا، ترجمة عمرو حسن (القاهرة: المركز القومي للترجمة، ٢٠١٥)، ١٩٨-٢٠٥.

⁸ آرثر جيتس، مشروع الجزيرة: دراسة في التطور الاقتصادي والاجتماعي (لندن: مطبعة جامعة أكسفورد، ١٩٥٢)، ٤٥.

⁹ محمد هاشم عوض، الزراعة المروية في السودان (الخرطوم: دار جامعة الخرطوم للنشر، ١٩٧٤)، ٨٩.

¹⁰ توني بارنيت، الجزيرة: دراسة أنثروبولوجية لمشروع زراعي في السودان (لندن: روتليدج، ١٩٧٧)، ١١٢-١١٥.

¹¹ ريتشارد هيل، السكك الحديدية في السودان ١٨٩٧-١٩٥٦ (أكسفورد: مطبعة جامعة أكسفورد، ١٩٦٩)، ٢٣.

¹² هيل، السكك الحديدية في السودان، ٤٥-٤٧.

¹³ هيل، السكك الحديدية في السودان، ٦٧.

¹⁴ محمد عمر بشير، تطور الحكم الإداري في السودان ١٨٩٩-١٩٥٦ (الخرطوم: دار جامعة الخرطوم للنشر، ١٩٧٠)، ١٠٢.

¹⁵ دوغلاس جونسون، الأسباب الجذرية للحرب الأهلية في السودان (أكسفورد: مطبعة جامعة أكسفورد، ٢٠٠٣)، ٢٣-٢٥.

¹⁶ عوض، الزراعة المروية في السودان، ٩٤.

¹⁷ محمد عمر بشير، تطور التعليم في السودان ١٨٩٩-١٩٥٦ (الخرطوم: دار جامعة الخرطوم للنشر، ١٩٦٥)، ٧٨.

¹⁸ بشير، تطور التعليم، ٨٥.

¹⁹ جامعة الخرطوم، تاريخ الجامعة: خمسون عاماً من العطاء (الخرطوم: مطبعة جامعة الخرطوم، ٢٠٠٦)، ١٥.

²⁰ بشير، تطور التعليم، ١١٢.

²¹ عوض، الزراعة المروية، ٦٧.

²² بشير، تطور التعليم، ٩٣.

²³ هيل، السكك الحديدية، ١١٢.

²⁴ محمود ممداني، المواطن والموضوع: أفريقيا المعاصرة ونقد نظرية ما بعد الاستعمار (كامبريدج: مطبعة جامعة كامبريدج، ١٩٩٦)، ١٤٥-١٤٧؛ دوغلاس جونسون، الأسباب الجذرية، ٤٥-٤٨.

²⁵ حسن، تاريخ ملوك سنار، ١٢-١٥.

²⁶ فرانتز فانون، معذبو الأرض، ترجمة جمال شحيد (بيروت: دار الآداب، ٢٠٠٤)، ٩٨-١٠٢؛ ممداني، المواطن والموضوع، ١٤٥-١٤٧.

²⁷ بشير، تطور التعليم، ١٣٤.

²⁸ عوض، الزراعة المروية، ١٢٥.

²⁹ حسن، تاريخ ملوك سنار، ٣٢.

leader

صحيفة الكترونية تهتم بالشأن السوداني

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى