مقالات

نحو كسر دائرة الفقر: رؤية استراتيجية شاملة لتمكين الدول الأقل دخلاً في العالم

بقلم : د. محمد صلاح علي الفكي

 

نحو كسر دائرة الفقر: رؤية استراتيجية شاملة لتمكين الدول الأقل دخلاً في العالم

في عالم تتسارع فيه التحولات الاقتصادية، وتتصاعد فيه متطلبات التنافسية العالمية، لا تزال قائمة أفقر الدول وفق بيانات البنك الدولي للفرد حتى يونيو 2025 تعكس فجوة تنموية صارخة:

جنوب السودان – 251 دولاراً

اليمن – 417 دولاراً

بوروندي – 490 دولاراً

إفريقيا الوسطى – 532 دولاراً

مالاوي – 580 دولاراً

مدغشقر – 595 دولاراً

السودان – 625 دولاراً

موزمبيق – 663 دولاراً

الكونغو الديمقراطية – 743 دولاراً

النيجر – 751 دولاراً

جميع الأرقام بالناتج المحلي الإجمالي الاسمي للفرد وفق بيانات البنك الدولي 2025. هذه الأرقام ليست مجرد إحصائيات، بل تعكس معاناة إنسانية وفشلاً تراكمياً في استثمار الموارد وتوظيف القدرات.

بعد مقارنة إقليمية: تأملوا معنى أن يكون دخل الفرد في السودان 625 دولاراً، بينما يتجاوز في مصر 4 آلاف دولار، وفي كينيا ألفي دولار، رغم تشابه بعض المقومات الزراعية والموارد الطبيعية. الفجوة ليست في الإمكانات بل في كفاءة الإدارة والسياسات، وجودة المؤسسات، وفاعلية آليات التنفيذ.

اقتصاديات الفقر: الفقر ليس مجرد انخفاض دخل، بل حالة هيكلية من الحرمان. يتسم اقتصاد الفقر بسيطرة القطاع غير الرسمي، ضعف الاستثمار البشري، غياب العدالة التوزيعية، والاعتماد على الواردات مع ضعف الصادرات. هذه الخصائص تعيد إنتاج الفقر عبر حلقة مفرغة: ضعف الإنتاجية يحد من الدخل، فيقل الادخار والاستثمار، ويبقى الهيكل الاقتصادي هشاً.

استراتيجية التخلص من الفقر: التحول من الإغاثة إلى التمكين عبر التعليم والتدريب، دعم المشروعات الصغيرة، إصلاح ضريبي عادل، حماية اجتماعية مرتبطة بالإنتاج، وتشجيع الاقتصاد الأخضر.

الاستراتيجية ربع القرنية في السودان (2007–2031): وضعت أهدافاً طموحة بخفض الفقر لأقل من 20% ورفع دخل الفرد لـ1500 دولار، لكن التنفيذ ظل محدوداً لغياب آليات المتابعة وتردد الاستقرار السياسي، فبقيت وثيقة مرجعية.

أولوية الإصلاح المؤسسي والحوكمة: التحرر من الفقر يحتاج دولة فاعلة وقطاعاً عاماً منتجاً ومجتمعاً مدنياً شريكاً، مع كفاءة الإنفاق العام واستقلال الأجهزة الرقابية. الحوكمة الرشيدة هي الفارق بين الدول التي تنهض وتلك التي تظل أسيرة التخلف.

الربط الدبلوماسي: الانتقال من متلقٍ لشريك فاعل عبر تفاوض عادل وتحالفات الجنوب-جنوب ودبلوماسية اقتصادية تدعم التمكين.

الإطار التنفيذي المقترح: يقود التنفيذ المجلس الأعلى للتنمية المتوازنة والمستدامة، ويعمل عبر نموذج المدن المتخصصة، ويضم الوزارات المعنية والقطاع الخاص والمجتمع المدني، ضمن إطار زمني خمسي مرحلي (2025–2030). وحتى لا يتحول المجلس إلى هيئة رمزية، يجب أن يتمتع بتبعية مباشرة لرئيس الدولة أو مجلس الوزراء، وصلاحيات اعتماد المشاريع الكبرى، ووحدة متابعة ذات مؤشرات أداء إلزامية، وموازنة مستقلة نسبياً، وآلية تقييم سنوية معلنة. وتشمل مؤشرات القياس نمو الدخل، وخفض البطالة، وتحسين ترتيب الحوكمة الدولي، وتقليص نسبة الفقر سنوياً بنسبة لا تقل عن 5%.

توصيات:

· زراعياً: زراعة تعاقدية، صوامع استراتيجية، أراضي للشباب، صناديق تكافل.

· صناعياً: مجمعات صناعية صغيرة، حوافز للصناعات كثيفة العمالة.

· حوكمة: نظام وطني للشفافية، هيئة مستقلة لمكافحة الفساد.

· تمويلياً: توسيع التمويل الأصغر، بنك وطني للتمويل الأصغر، تمويل رقمي.

· بنية تحتية: طرق قروية، مياه وكهرباء، مشروعات كثيفة العمالة.

· تعليمياً: تعليم فني مرتبط بسوق العمل، مراكز تدريب متنقلة.

· دولياً: وحدات متخصصة للتمويل الدولي، تفعيل الملحقيات التجارية.

· حماية اجتماعية: قاعدة بيانات موحدة، دعم نقدي مشروط بالتعليم والصحة.

· تطوير الذات: تعزيز ثقافة ريادة الأعمال، برامج للمهارات الحياتية والقيادية.

· تخطيط استراتيجي: مؤشرات أداء واضحة، وحدة متابعة تنفيذ وطنية.

وجود السودان في القائمة رغم موارده يؤكد أن المشكلة في فجوة التنفيذ. نحن لسنا في القائمة بسبب شح الموارد، بل بسبب استراتيجيات على الأرفف، وتخطيط منفصل عن التنفيذ. التنمية مسألة حوكمة قبل أن تكون مسألة موارد، وإدارة قبل أن تكون إمكانات. الفقر ليس قدراً، بل نتيجة قرارات وسياسات، وإذا أُحسن الاختيار وأُتقن التنفيذ، تصبح التنمية حتمية لا احتمالاً.

leader

صحيفة الكترونية تهتم بالشأن السوداني

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى