مقالات

“إنما العاجز من لا يستبد”: قراءة في منطق القوة بين السلم والحرب

بقلم : د. عبد العظيم ميرغني

“إنما العاجز من لا يستبد”: قراءة في منطق القوة بين السلم والحرب

• في كتابه “قواعد القوة الـ 48” صاغ روبرت غرين جملة دروس قال إنها أنماط ظلت تتكرر عبر التاريخ.

وعند وضع هذه الأنماط أمام مرآة واقعنا، نكتشف أن الوجوه هي وحدها التي تتبدل، بينما تظل القواعد كما هي.

• من تلك الدروس أن الإفراط في الطموح، حين يتجاوز حدوده، يتحول من دافع للإنجاز إلى قوة عمياء تُفضي إلى السقوط.

فقد قاد التوسع غير المحسوب الإمبراطور الفرنسي نابليون بونابرت إلى الهزيمة الساحقة، ودفعه إلى حيث لا يريد.

• والنصر الجزئي قد يكون أخطر من الهزيمة. فالخصم الذي يُترك حيًا—حتى وإن بدا ضعيفًا—يعود غالبًا أكثر شراسة.

فالرومان لم يكتفوا بهزيمة قرطاج، بل سعوا إلى محوها من الوجود.

• والصراعات التي تُترك معلّقة غالبًا ما تعود أعنف مما كانت.

وهو درس يتردد صداه في التاريخ العربي الحديث.

• والقوة كثيرًا ما تتمركز في القيادة، فإذا ما استُهدفت، تهاوى البناء بأكمله.

فـ تشين شي هوانغ حين قضى على مراكز التمرد، انهارت المقاومة سريعًا.

• وفي معنى قريب — وإن لم يرد في كتاب «قواعد القوة الـ48» — جاء قول قائل:

“ليتَ هندًا أنجزتنا ما تعدُ … وشفت أنفسَنا مما نجدُ

واستبدّت مرةً واحدةً … إنما العاجزُ من لا يستبدُ”

• وهو معنى ارتبط بما عُرف في التاريخ بـ نكبة البرامكة في عهد هارون الرشيد، حين تحوّلت موازين القوة من ذروة النفوذ فجأة إلى قاع السقوط.

• وهي واقعة تُجسّد فكرة أن ترك مراكز القوة دون حسم قد يقود إلى انفجارها في لحظة واحدة.

• لكن أخطر ما في الصراع أن بعض مظاهر الضعف قد تكون مجرد تكتيك؛ فالتراجع المؤقت أو التظاهر بالعجز قد يخفي استعدادًا لهجوم أكبر.

هكذا فعل جنكيز خان، فليس كل صمت ضعفًا، ولا كل هدوء استسلامًا.

• أما في زمن السلم، فتتخذ القوة أشكالًا أكثر نعومة، وإن لم تقل حدة.

• السمعة رأسُ مالٍ لا يقل أهمية عن القوة المادية؛ لذا حافظ يوليوس قيصر على هيبته لأن صورته سبقت أفعاله.

فحين تتآكل السمعة، يفقد المرء تأثيره، حتى وهو على صواب.

• وفي عصرنا الرقمي، قد تنهار السمعة خلال ساعات، ما يجعل إدارة الصورة العامة أكثر أهمية من أي وقت مضى، سواء على مستوى الأفراد أو المؤسسات.

• ومن أدوات القوة كذلك الغموض؛ فليس كل ما يُعرف يُقال، وليس كل ما يُخطط له يُعلن. فالإفصاح المبكر كثيرًا ما يُجهض المبادرات قبل أن تبدأ.

فـ أوتو فون بسمارك لم يعلن مشروعه لتوحيد ألمانيا إلا بعد أن ضمن ميزان القوة.

• وفي واقعنا القريب، تبرز مفارقة لافتة؛ إذ بات كثير من المسؤولين يخرجون عبر التصريحات المباشرة أو المنصات الرقمية بأنفسهم بشكل متكرر، في محاولة لتولي أدوار يفترض أن تقوم بها مؤسساتهم الرسمية.

غير أن هذا الحضور الكثيف، على عكس ما يُظن، قد يُضعف عنصر الغموض ويقلل من الهيبة والتأثير، إذ ينقل السلطة من موقع التأثير الصامت إلى موقع الدفاع العلني المستنزف.

• في واقعنا اليوم، قد تبدو هذه القواعد وكأنها تُكتب من جديد، لكنها في الحقيقة قديمة قدم الصراع نفسه.

• فمن يظن أن القوة في ارتفاع الصوت، أو في الانتصار اللحظي، أو في احتقار الخصوم، سيكتشف—غالبًا متأخرًا—أن الواقع أكثر تعقيدًا.

• فمن فهم منطق القوة، وعرف كيف يحكم الغموض، ويوازن بين الطموح والحسم، يدرك أن القيادة ليست مجرد منصب، بل فن إدارة الواقع والوقت والناس معًا.

• ولعل أخطر ما في قواعد القوة… أنها لا تخطئ كثيرًا، لكن من يستخدمها قد يخطئ في توقيتها، وحينها تكون الكلفة أكبر من الخطأ نفسه.

تضرعاتي بحسن الخلاص؛ وتقديري العميق.

leader

صحيفة الكترونية تهتم بالشأن السوداني

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى