مقالات

اللغة كأداة استراتيجية: من التواصل إلى ريادة الأعمال

بقلم : د. محمد صلاح علي الفكي

 

اللغة كأداة استراتيجية: من التواصل إلى ريادة الأعمال

اللغة كأساس للاستراتيجية الشاملة

اللغة ليست مجرد وسيلة للتواصل، بل هي الإطار الذي نفكر ونخطط ونتحرك من خلاله. إنها أحد أعمدة الاستراتيجية الشاملة للفرد والمجتمع، من الطفولة إلى ريادة الأعمال. أولى الإسلام أهمية لتعلم اللغات لدورها في الدعوة والتجارة والتفاهم بين الشعوب. فـ”من تعلّم لغة قومٍ أمِن شرّهم” قاعدة تتجاوز البعد الأمني لتصبح ركيزة للبناء الحضاري.

الأبعاد الاقتصادية والاستراتيجية

إتقان اللغات الأجنبية يعزز فرص الأفراد في الأسواق العالمية ويمنحهم قدرات تفاوضية عالية. عندما سألني صديق عن أفضل لغة بعد الإنجليزية، قلت: الصينية، فهي إحدى أهم لغات القوة الاقتصادية الصاعدة، خاصة مع تصدر الصين المشهد التجاري العالمي. الأبحاث تؤكد أن الطفل قبل السادسة يتمتع بقدرة مذهلة على اكتساب أي لغة، مما يستدعي الاهتمام بالتعليم المبكر.

المجتمعات التي تشجع تعدد اللغات وتصون الموروث اللساني تبني استراتيجيات ثقافية واقتصادية متينة. فمتعدد اللغات يتحول إلى أصل بشري لا يُقدّر بثمن.

اللغة في الحياة اليومية

سأل أحدهم المهندس عمار: “إنت بتعرف رطانة المحس؟” فأجابه: “هو أنا بعرف عربي؟” إنها تعكس التداخل الجميل بين اللغات.

وفي موقف طريف، زار المهندس عمار مع زوجته الطبيبة قريبتنا في السعودية، وكان ابنها الصغير يتحدث الإنجليزية بطلاقة. ظنًا أن الطفل لا يفهم، بدأ عمار يتحدث مع زوجته بالإنجليزية، ففاجأهم الطفل ودخل الحديث بطلاقة. التفت عمار لزوجته مازحًا: “في مثل هذه المواقف، نتحدث برطانة المحس!”

وزارنا صديق من الحلفاويين يتحدث بالهاتف برطانة أهله ظنًا أننا لا نفهم، وبعد المكالمة فاجأناه بأننا فهمنا كل شيء، فشعر بالحرج. إنها مواقف تؤكد أن اللغة قد تكون أداة للخصوصية والذكاء الاجتماعي.

جدتي أم الحسنين: ذاكرة التفاعل الثقافي

جدتي أم الحسنين – من العمراب، حي ود درو بأم درمان – كانت ذاكرة حيّة للتفاعل السوداني مع الحقبة التركية العثمانية. في أحاديثها اليومية، كانت تردد كلمات عثمانية اندمجت في اللهجة السودانية لدرجة أن كثيرين يظنونها عربية صميمة، ومنها:

· أسبتالية: للمستشفى، وهي كلمة دخلت التركية العثمانية من الإيطالية (Ospedale).

· أجزخانة: للصيدلية، وهي مركبة من كلمتين فارسيتين: “أجزا” (الأدوية) و”خانة” (مكان).

· نبطشي: للمناوب أو الحارس، وهي تركية خالصة من “نوبة” (Nöbet) واللاحقة “جي” (çi) الدالة على صاحب المهنة.

· مُطفَق: للمطبخ (Mutfak)، وهو تحريف للكلمة العربية “مطبخ” بلهجة عثمانية.

· أوضة: للغرفة (Oda).

· بيرق: للعلم أو الراية (Bayrak).

· أدبخانة: للمرحاض، وهي كلمة مهذبة تركيبها فارسي: “آب” (ماء) + “خانة” (مكان). وقد اندثرت هذه الكلمة اليوم وحلت محلها “توالت” أو “WC”، مما يعكس التحولات الثقافية الحديثة.

هذه المفردات لم تكن مجرد كلمات عابرة، بل كانت جزءاً من نسيج الحياة اليومية، تعكس قروناً من التفاعل والتأثير المتبادل.

ولأن اللغة كائن حي، فإن التركية الحديثة نفسها تطورت وتأثرت بلغات أخرى، خاصة الفرنسية. فظهرت فيها كلمات باللاحقة “-يون” مثل: كومسيون (Commission) للجنة، ودبريسيون (Dépression) للاكتئاب، وطمسيون (Tension) لضغط الدم. هذا يؤكد الطبيعة الديناميكية للغة، فهي تستمر في الامتصاص والتجدد.

ومن طرائف التداخل اللغوي أن بعض الشباب السودانيين يستخدمون كلمة “قد” (Git) بمعنى “اذهب” وبنبرة حادة أحياناً، بينما هي في التركية فعل أمر عادي وحيادي تماماً، لا يحمل أي ثقل انفعالي. إنها الكلمة نفسها، لكنها تلبس ثوباً ثقافياً مختلفاً في بيئتها الجديدة.

اللغة كأداة أمن قومي

تروى روايات غير رسمية عن استخدام اللغة استراتيجيًا في سياقات مصيرية. روى لي جاري طارق من المحس أن المصريين اعتمدوا في تخطيط عبور خط بارليف 1973 على لهجات محلية، من بينها رطانة المحس، كوسيلة اتصال غير نمطية، وعجزت الاستخبارات الإسرائيلية عن فك شيفرتها. المبدأ الاستراتيجي يبقى قائمًا: استخدام لغات محلية نادرة يوفر أدوات اتصال احتياطية غير نمطية تصعب اختراقها، مما يجعل اللغة أداة أمن قومي.

اللغة رصيد متجدد

كل هذه الحكايات تؤكد أن اللغة ليست مجرد تواصل، بل رصيد اجتماعي واستراتيجي واقتصادي متراكم. تؤكد الأبحاث أن تعدد اللغات (Bilingualism) يعزز القدرات المعرفية ويرفع الإنتاجية ويفتح فرصًا اقتصادية أوسع. اللغة هي أحد أعمدة الاستراتيجية الشاملة، من البيت إلى السوق، ومن الطفولة إلى الريادة.

توصيات:

1. فرديًا وأسريًا: اغتنام مرحلة الطفولة المبكرة لتعليم الأطفال لغات متعددة مع تعزيز لهجتهم المحلية كالمحسية، فهي هوية وخصوصية. تعلم لغات واعدة كالصينية، فهو استثمار استراتيجي.

2. مؤسسات تعليمية: تطوير مناهج اللغات للتركيز على المهارات التواصلية والتفاوضية، وتوثيق الموروث الشفوي (أسبتالية، نبطشي، أدبخانة) في معاجم قبل اندثاره.

3. مؤسسات اقتصادية: إنشاء بنك للكفاءات اللغوية للاستفادة من متعددي اللغات في التفاوض وفهم الأسواق العالمية وتقليل تكاليف الوساطة.

4. أمن قومي: دراسة توظيف اللهجات المحلية النادرة كالرطانة في تطوير وسائل اتصال احتياطية غير نمطية، واستثمار التنوع اللغوي في التحليل الأمني.

5. مجتمعيًا: إزالة الوصم عن اللهجات المحلية، وإنتاج محتوى إعلامي وثقافي هادف بها، والاحتفاء بالتراث اللساني كثراء وطني.

6. التحول الرقمي: توظيف أدوات الذكاء الاصطناعي والترجمة الآلية لدعم المحتوى باللهجات المحلية وتوسيع نطاق انتشارها.

اللغة ليست تراثًا في المرآة الخلفية، بل وقود لمحرك المستقبل. من يمتلك أدوات لغوية متعددة، يمتلك مفاتيح لأسواق وعقول وثقافات متعددة.

leader

صحيفة الكترونية تهتم بالشأن السوداني

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى