رؤى ومخرجات مؤتمر الأطراف الخامس عشر لمعاهدة الأنواع المهاجرة (CMS COP 15) ودلالاتها للسودان
بقلم : بروف طلعت دفع الله عبد الماجد

رؤى ومخرجات مؤتمر الأطراف الخامس عشر لمعاهدة الأنواع المهاجرة (CMS COP 15) ودلالاتها للسودان
اُختتمت مؤخراً فعاليات الاجتماع الخامس عشر لمؤتمر الأطراف في معاهدة الحفاظ على الأنواع المهاجرة من الحيوانات الفطرية (CMS COP 15)، والذي استضافته مدينة كامبو غراندي بالبرازيل في الفترة من 23 إلى 29 مارس 2026.
انعقد المؤتمر تحت شعار “ربط الطبيعة لاستدامة الحياة”، وجمع أكثر من 2000 مشارك من ممثلي الحكومات والعلماء والمجتمع المدني. ركزت النقاشات على التحديات الملحة التي تواجه الحيوانات التي تعبر الحدود الدولية، وأهمية حماية مسارات هجرتها في ظل تفتت الموائل وتداعيات التغير المناخي، لاسيما وأن حركة هذه الكائنات تعتبر مؤشراً حيوياً على صحة النظم البيئية العالمية.
أسفر المؤتمر عن حزمة من القرارات والتوصيات الحاسمة لرسم خارطة طريق الحفظ البيئي العالمي، من أبرزها:
• إقرار إعلانات وزارية رفيعة المستوى تجدد الالتزام السياسي بتمويل برامج حماية الأنواع المهاجرة ودعمها.
• الموافقة على تعديل ملاحق المعاهدة بإدراج أنواع جديدة من الحيوانات المهددة لتوفير مظلة حماية قانونية صارمة لها.
• اعتماد 16 خطة عمل منسقة (Concerted Actions) لمعالجة التهديدات المباشرة كالصيد الجائر، وفقدان الموائل، وتأثيرات البنية التحتية.
• التشديد المطلق على دعم “الترابط البيئي” (Ecological Connectivity) وتأمين الممرات العابرة للحدود لتسهيل حركة الحياة البرية بأمان.
رسالة إرشادية عاجلة لصناع القرار وأصحاب الشأن في السودان:
يمثل السودان عقدة جغرافية حاسمة في مسارات الهجرة العالمية للطيور والثدييات الكبرى، غير أن النزاع المسلح أحدث دماراً منهجياً في هذا النظام البيئي. وتماشياً مع مخرجات مؤتمر (COP 15) بالبرازيل—التي وضعت “إصلاح الموائل المتدهورة” و”الترابط البيئي” في قمة الأجندة الدولية—نضع بين أيديكم التوصيات الطارئة التالية لاتخاذ إجراءات تنفيذية لا تقبل التأجيل:
مشروع دولي لإعادة تأهيل “غابة السنط” بالخرطوم:
لطالما كانت “غابة السنط” عند مقرن النيلين ملاذاً استراتيجياً ومحطة استراحة رئيسية لملايين الطيور المهاجرة عابرة القارات. إن تعرض هذا المعلم البيئي التاريخي للإزالة الجائرة والتدمير بسبب الحرب يمثل جريمة بيئية ترقى لمستوى الكارثة الدولية التي قطعت شرياناً حيوياً للطيور المهاجرة.
الإجراء المطلوب: صياغة مشروع قومي استراتيجي فوراً، مدعوم بدراسات ميدانية، وتقديمه لصناديق التمويل البيئي العالمية وسكرتارية اتفاقية (CMS)، بغرض حشد الموارد المالية والفنية لإعادة استزراع الغابة وتأهيلها لتستعيد دورها المحوري كمعبر دولي آمن للحياة البرية.
فرض الممرات الآمنة ضمن خطط “إعادة الإعمار”:
مع بدء أي جهود للتعافي الوطني وإعادة تأهيل البنية التحتية، يجب فرض سلطة القانون البيئي. يُشترط ألا تُقام مشاريع الإعمار (من طرق وسدود ومشاريع زراعية كبرى) على حساب مسارات الهجرة المتبقية، مع الإلزام بتصميم “ممرات بيئية” تضمن حرية انتقال القطعان البرية تماشياً مع خطط العمل المنسقة التي أقرها المؤتمر. ويتحتم تفعيل القوانين الرادعة بشكل استثنائي، وتكوين فرق طوارئ وتنسيق عابر للحدود مع دول الجوار لكبح هذه الجرائم التي تستنزف الرصيد الفطري القومي.
مجابهة اقتصاد الظل والاتجار بالحياة البرية:
أنتجت الفوضى الأمنية الحالية تصاعداً خطيراً في عمليات الصيد الجائر والاتجار غير المشروع بالأنواع المهاجرة لتمويل اقتصاد الظل. يجب تفعيل وحدات مشتركة لحماية الحياة البرية، وتأمين منافذ التهريب الحدودية بالتعاون الصارم مع دول الجوار والإنتربول، لتطبيق بنود الحماية المضافة في الملاحق الجديدة للمعاهدة.
اقتناص التمويل التعويضي عن أضرار الحرب البيئية:
الاستناد إلى الإعلانات الوزارية الصادرة عن المؤتمر للمطالبة بتخصيص منح تمويلية عاجلة “لمناطق النزاع”. يجب إعداد مذكرات مفاهيمية (Concept Notes) قوية تُوثق حجم الخسائر التي طالت الموائل السودانية، وإلزام المجتمع الدولي بمسؤولياته في دعم برامج الحفظ وإصلاح الأضرار الجسيمة.
إن صون الحياة البرية واستعادة موائلها في هذه اللحظة التاريخية يمثل ضرورة أمنية واقتصادية توازي أهمية إعادة بناء المدن. هذا التحرك هو استحقاق سيادي لضمان بقاء الموارد الطبيعية التي تعتمد عليها أسباب الحياة في السودان، وتأكيد عملي على قدرة الدولة على الإيفاء بالتزاماتها الدولية كحارس مسؤول لمسارات الهجرة العالمية.





