مقالات

حين يهدأ العمر ويعلو المعنى

 بقلم :  د. الشاذلي عبداللطيف

حين يهدأ العمر ويعلو المعنى

مارس .. باريس

حين يقترب الانسان من نهاية رحلته، لا يندم على ما لم يملك بل على ما لم يفعله في وقته. هناك، في الثلث الاخير من العمر، تتغير الاسئلة، وتتبدل المعايير، ويصبح للزمن طعم مختلف.

لم يعد العمر مجرد سنوات تعاش، بل تجربة تفهم، ورسالة تراجع، واثر يعاد النظر فيه. فبعد عقود من السعي والانشغال، يكتشف الانسان ان كثيرا مما شغله لم يكن يستحق كل ذلك، وان ما اجله كان هو الاولى بالعناية.

في هذه المرحلة، يحدث تحول عميق من الانشغال بالانجاز الى الانتباه للاثر. لم يعد السؤال ماذا حققت بل ماذا سيبقى مني. هنا يبدأ الميزان الحقيقي، حيث تتلاشى قيمة التراكم، وتبرز قيمة الامتداد.

ومع ما يطرأ من ضعف في الجسد او تراجع في الطاقة، تنفتح في المقابل مساحات اوسع من الحكمة. فحين تقل القدرة على الفعل، تزداد القدرة على الفهم، وحين يهدأ السعي، تنضج الرؤية. انها ليست مرحلة نقص، بل اعادة توزيع للقوة.

ومن اهم ما يميز هذه المرحلة ما يمكن تسميته بالتخفف الواعي. ان يتعلم الانسان كيف يضع عن كاهله ما اثقله طويلا من تعلقات وخصومات وحقوق مؤجلة. ان يصفي حساباته مع الناس، ومع نفسه، قبل ان يغادر. فليست القضية ما جمع، بل ما ترك نظيفا وراءه.

كم من انسان قضى عمره يكدس، ثم ادرك متاخرا ان كلمة طيبة، او قلبا اصلحه، او علما نشره، كان ابقى من كل ما جمع. هنا فقط تتضح الحقيقة ان ما يبقى هو ما يعطى، لا ما يمسك.

اما في محيط الاسرة، فان الحكمة تقتضي تحولا هادئا في الدور من القيادة الى الالهام، ومن فرض الراي الى تقديم الخبرة. فالاب او الكبير في هذه المرحلة لا يقاس بمدى سيطرته، بل بقدرته على الاحتواء. ليس من يطاع هو الاهم، بل من يقتدى به.

وفي العمق، يبرز البعد الروحي بوصفه جوهر هذه المرحلة. اذ يصبح الانسان اكثر قربا من فكرة الرحيل، واكثر استعدادا لمواجهة نفسه. وهنا تتجلى الحاجة الى صفاء العلاقة مع الله، لا بوصفها واجبا مؤجلا، بل خيارا يوميا يعاش بصدق. فحسن الختام لا يبنى في اللحظة الاخيرة، بل يصنع عبر عمر من الاستعداد.

وربما اخطر ما في هذه المرحلة ان يصل اليها الانسان دون ان ينتبه انه وصل.

ان الثلث الاخير من العمر ليس نهاية تخشى، بل فرصة لاكتمال المعنى. زمن يهدأ فيه الصخب، وتعلو فيه الحكمة، ويصبح الانسان اقرب ما يكون الى حقيقته.

في النهاية، لا يقاس العمر بعدد سنواته، بل بنوعية خاتمته، ومن لم يحسن الاستعداد لهذه المرحلة، فقد اضاع اجمل ما في الرحلة.

leader

صحيفة الكترونية تهتم بالشأن السوداني

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى