مقالات

بين الهدم والبناء: هل ينهي حل المجالس ازمة الحوكمة ام يعيد انتاجها

بقلم : د. الشاذلي عبداللطيف

بين الهدم والبناء: هل ينهي حل المجالس ازمة الحوكمة ام يعيد انتاجها

قرار حل اكثر من 200 مجلس ادارة في الشركات الحكومية لا يمكن اعتباره مجرد اجراء اداري واسع، بل هو لحظة كاشفة لطبيعة العلاقة بين الدولة وقطاعها الاقتصادي، واختبار حقيقي لقدرتها على الانتقال من ادارة التوازنات الى بناء الحوكمة.

في ظاهره، يبدو القرار جذريا وحاسما، لكنه في جوهره لا يمثل اصلاحا مكتمل الاركان، بل بداية لفراغ مؤسسي كبير. هذا الفراغ لن تحدده قوة القرار نفسه، بل طبيعة النظام الذي سيبنى بعده.

المشكلة لم تكن في المجالس نفسها، بل في النظام الذي يصنعها.

فعلى مدى سنوات، عانت الشركات الحكومية من اختلال هيكلي واضح، حيث تداخلت ادوار الدولة بين كونها مالكا ومنظما ومشغلا في الوقت ذاته. وفي ظل هذا التداخل، غابت المساءلة، وتوزعت السلطة، وتحولت مجالس الادارات في كثير من الحالات من ادوات للحوكمة (Corporate Governance) الى ادوات لادارة التوازنات وتوزيع المواقع.

هذا النمط ليس استثناء محليا، بل هو من اكثر التحديات شيوعا في ادارة الشركات المملوكة للدولة. وتشير مبادئ منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD) الى ان نجاح هذه الشركات يرتبط بثلاثة عناصر رئيسية: وضوح جهة الملكية (State Ownership)، استقلالية مجالس الادارات، والفصل الصارم بين الدور التنظيمي والتشغيلي.

غياب هذه العناصر لا يؤدي فقط الى ضعف الاداء، بل الى تآكل القدرة على المحاسبة، وهو ما يجعل اي اصلاح شكليا ما لم يستهدف هذه الجذور مباشرة.

التجارب الدولية تقدم دروسا واضحة في هذا السياق. ففي سنغافورة مثلا، لم يتحقق النجاح عبر تغيير المجالس بشكل متكرر، بل عبر اعادة تعريف علاقة الدولة بشركاتها من خلال كيان مركزي يدير الملكية باحترافية، ويضع معايير صارمة للاداء والمساءلة. وعلى الجانب الاخر، اظهرت تجارب عديدة ان تغيير الهياكل دون تغيير القواعد يؤدي غالبا الى اعادة انتاج نفس الاختلالات، حتى وان بدا المشهد مختلفا.

من هنا، فان التحدي الحقيقي لا يكمن في قرار الحل، بل في كيفية اعادة التشكيل.

هل سيتم بناء مجالس ادارات مستقلة فعلا، قائمة على الكفاءة والخبرة؟

هل ستفصل الدولة بوضوح بين دورها كصانع سياسات ودورها كمالك؟

ام اننا سنشهد اعادة توزيع لنفس الشبكات ضمن ترتيبات جديدة؟

الاجابة على هذه الاسئلة هي التي ستحدد ما اذا كنا امام اصلاح حقيقي، ام مجرد اعادة ترتيب للمشهد.

الاصلاح المؤسسي لا يتحقق بتغيير الاشخاص، بل بتغيير القواعد. ولا يقاس بعدد القرارات، بل بقدرتها على فرض معايير لا يمكن الالتفاف عليها: الكفاءة، الشفافية، الاستقلال، وربط الاداء بالمحاسبة.

وفي المقابل، لا يمكن تجاهل البعد الاجتماعي والسياسي له

leader

صحيفة الكترونية تهتم بالشأن السوداني

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى