مقالات

الوجه الحضري: القهوة والذوق العام… وبناء المدن التي تعرف نفسها

بقلم : د. محمد صلاح علي الفكي

 

الوجه الحضري: القهوة والذوق العام… وبناء المدن التي تعرف نفسها

إنّ ملامح أي مدينة لا تُرسم بالمباني وحدها، بل بالذوق الذي يسكن تفاصيلها، وبالروح التي تتنفسها مؤسساتها الخدمية البسيطة. فالمقهى ليس فنجان قهوة، بل مؤشر حضاري، ومرفق نفسي واجتماعي واقتصادي في آنٍ واحد. ومنه تبدأ ملامح التحضر أو تتلاشى. حين تفقد المدينة مقاهيها المنظمة، تفقد جزءًا من وجهها الإنساني، وتتحوّل من فضاء متوازن إلى مساحة مضطربة، يختل فيها الإيقاع بين الإنسان والمكان. لذلك فإنّ إعادة الاعتبار للمقهى والمجالس العامة ليست مسألة ترف ثقافي، بل خطوة استراتيجية في بناء المدن التي تعرف نفسها، وتُعيد صياغة توازنها بين النظام والعفوية، وبين الجمال والوظيفة، وبين الإنسان والعمران.

في تسعينات القرن الماضي، سمحت بعض المحليات في السودان بتغيير أنشطة المقاهي دون تفكير استراتيجي في آثار القرار، ففُقد المرفق الحضري الذي كان يوفّر متنفسًا عامًا ومكانًا للراحة، ومجالًا للتواصل الاجتماعي والاقتصادي البسيط. لم يُنظر إلى المقاهي كمرافق خدمية يجب تنظيمها والمحافظة عليها، بل كأنشطة تجارية قابلة للاستبدال. وهكذا غابت الرؤية، وتحوّل الفراغ الإداري إلى مشهد اجتماعي جديد عنوانه العشوائية.

ظهرت ظاهرة بائعات الشاي كاستجابة فطرية لحاجة الناس إلى مكان يجتمعون فيه، وهو في جوهره بحث عن المقهى المفقود، ولكن بلا إدارة أو تنظيم. لم تكن المشكلة في العاملات أنفسهن، فهنّ مارسن عملاً شريفًا في ظل غياب البدائل، بل في غياب الإطار المؤسسي الذي ينظّم النشاط ويمنحه الشكل اللائق والمضمون الخدمي المطلوب. ومع مرور الوقت، تراكمت حول هذه الأنشطة ظواهر سلبية، من تدهور الذوق العام إلى بعض الممارسات غير الأخلاقية، فانعكس ذلك على المشهد الحضري وأمن المجتمع وسلوكه.

المفارقة أنّ هذا التغيير وجد قبولًا تدريجيًا حتى من بعض النخب، وكأنّ الذوق العام فقد معاييره. وهو ما يشير إلى تدهور الحس الجمالي والوعي الجماعي بالمكان، إذ صار التعايش مع الفوضى سلوكًا مألوفًا. وبينما يُبنى في الخيال مشهد سودان المستقبل بمدن ذكية ومباني شاهقة، يظهر في قلب المشهد اليومي واقعٌ لا يشبه تلك الصورة: مقاهٍ غير منظمة، وباعة في الطرقات، ومشهد يغيب عنه النظام، لكنه يجد القبول لأنه صار طبيعيًا.

المدن التي تفقد وجهها تفقد ذاكرتها. ففي مقاطع مصوّرة للخرطوم في عهد الحكم الإنجليزي، تظهر ملامح مدينة منظمة ببنية تحتية متقنة، وترامٍ وساحات نظيفة، وفنادق ومقاهٍ ودور سينما ومسرح ورفاهية مدنية تشي بذوقٍ راقٍ ورؤية إدارية متقدمة. كانت الخرطوم حينها تشبه لندن مصغّرة، تعكس توازنًا بين الجمال والوظيفة. أما اليوم، فالمقارنة مؤلمة، لأننا استبدلنا التنظيم بالعشوائية، والجمال بالارتجال.

الوجه الحضري للمدينة لا يُقاس بالبناء المادي فقط، بل بدرجة التنظيم وسلوك الناس وإدارة التفاصيل. المقهى المنظم، مثل المدرسة والمستشفى، جزء من البنية الاجتماعية للمدينة. إنه مرفق نفسي واقتصادي في الوقت ذاته، ينعكس أثره على الصحة العامة، والعلاقات الاجتماعية، والإنتاجية، وحتى على مستوى الجريمة والسلوك العام. في علم النفس المجتمعي، تُعدّ أماكن الراحة والتلاقي أدوات علاجية غير مباشرة، تنشر الطمأنينة وتحد من التوتر والانفعال، وتؤسس لما يُعرف بـ”الثقافة اليومية المنتظمة”، وهي ما يصنع هوية المكان في الوعي الجمعي.

من الزاوية الاقتصادية، فإنّ نشاط بيع الشاي في الخرطوم مثلًا يدرّ ملايين الجنيهات شهريًا، ومع ذلك لا يخضع لأي تنظيم ضريبي أو صحي، ولا يقدّم للدولة عائدًا ملموسًا. بل إنّ جزءًا من الدخل يتحوّل إلى خارج البلاد، لأن بعض العاملات من دول الجوار، مما يجعل النشاط في مجمله مثالًا على الفوضى الاقتصادية المقنّعة، وهدرًا غير مباشر للعملة المحلية. هذا الوضع يعبّر عن قصور إداري وقانوني في إدارة الخدمات الصغيرة التي تمثل، في الدول المتقدمة، رافدًا مهمًا للاقتصاد المحلي المنظم.

وفي المقابل، تُظهر التجارب الإقليمية أن المقهى يمكن أن يكون مؤسسة اجتماعية راقية إذا خضع للتنظيم والرؤية. ففي القاهرة، المقاهي جزء من المشهد الثقافي، وفي الخليج تُعد المجالس والمقاهي رموزًا للهوية والكرم الاجتماعي، وتُدار بترخيص واضح وتخضع لمواصفات جمالية وصحية دقيقة. تلك النماذج تُثبت أن النشاط البسيط يمكن أن يكون حضاريًا ومربحًا في الوقت نفسه، إذا ما أحسنت الإدارة تنظيمه.

من الناحية القانونية، فإنّ معالجة هذه الظاهرة لا تحتاج قرارات قمعية بل تشريعات مرنة، تُعيد تعريف المقهى كمرفق خدمي عام خاضع لإشراف المحليات، وتمنح التراخيص وفق معايير صحية وجمالية محددة، وتتيح فرصًا لتأسيس مقاهٍ نموذجية صغيرة بإشراف بلدي ومنظمات تمويل محلية، بحيث يتحول النشاط من اقتصاد غير رسمي إلى مشروع خدمي منظم يعزز العدالة الاجتماعية.

إنّ الوجه الحضري للمدينة ليس في ناطحات السحاب، بل في تفاصيلها البسيطة التي تمنحها الحياة. فحين يكون فنجان القهوة منظمًا، تكون المدينة منظمة. وحين يُدار المقهى بعقل حضاري، يُدار المجتمع بذوقٍ عام منسجم.

توصيات :

1. وضع إطار تشريعي خاص بالمقاهي والمرافق الخدمية الصغيرة ضمن قوانين المحليات، باعتبارها جزءًا من البنية التحتية الاجتماعية.

2. إنشاء وحدات محلية متخصصة تحت مسمى إدارة الفضاء العام والخدمات المجتمعية، تتولى تنظيم الأنشطة الصغيرة والإشراف عليها.

3. إدماج مفهوم الذوق العام الحضري في برامج تدريب العاملين بالمحليات والمدن الكبرى.

4. تشجيع إنشاء مقاهٍ نموذجية مجتمعية بشراكات بين القطاعين العام والخاص ومنظمات المجتمع المدني.

5. توظيف علم النفس المجتمعي في تصميم المدن ومرافقها، بحيث يُراعى الجانب الإنساني والراحة النفسية في التنظيم الحضري.

إنّ بناء السودان الحديث لا يبدأ بالخرسانة والحديد، بل بإعادة بناء الوعي العام والنظام الداخلي للمدينة. الحضارة ليست ما نراه من الخارج، بل ما نشعر به من انسجام وكرامة داخل المكان. المقهى، بهذا المعنى، ليس كماليات حياة، بل جزء من روحها. فحين يعود فنجان القهوة إلى مكانه الصحيح، سيعود النظام إلى المدينة، والطمأنينة إلى الناس، والذوق العام إلى مجراه الطبيعي.

leader

صحيفة الكترونية تهتم بالشأن السوداني

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى