مقالات

القطار… حين يصبح التنمية على قضيب: قراءة استراتيجية في النقل المستدام والهوية الاقتصادية والثقافية

بقلم : د. محمد صلاح علي الفكي

 

القطار… حين يصبح التنمية على قضيب: قراءة استراتيجية في النقل المستدام والهوية الاقتصادية والثقافية

من باب نفسك يا القطار…

كلمات من تراث الغناء الشعبي السوداني، حملت في بساطتها دلالات استراتيجية غفل عنها كثير من صناع القرار: أن القطارات ليست مجرد وسائل نقل، بل شرايين حياة، ومعابر هوية، ومفاتيح تنمية.

في سياق الاستراتيجية القومية ربع القرنية (2007–2031م)، احتل قطاع النقل موقعًا محوريًا، وبخاصة السكة الحديد، كأحد أعمدة التحول الاقتصادي والاجتماعي والإداري، لما تحققه من تقليل تكلفة النقل بنسبة تصل إلى 75% مقارنة بالوسائل الأخرى، وتقليل استهلاك الوقود وتوفير الوقود الآمن كأولوية استراتيجية، وتقليل الانبعاثات الكربونية وتحقيق الأهداف البيئية، وربط الأقاليم النائية بالمراكز الحضرية وتحقيق التوازن التنموي، وحماية البنية الطرقية عبر تخفيف الضغط على الشاحنات والحافلات، وتعزيز السيادة الثقافية والاقتصادية من خلال دعم الإنتاج المحلي والحراك السكاني.

القطار كأداة اقتصادية ذكية

النقل بالقطار يُعد الأرخص عالميًا، ويمثل فرصة لتقليل التكاليف اللوجستية التي تُثقل كاهل الإنتاج الزراعي والصناعي. فوفقًا لتقرير الوكالة الدولية للطاقة لعام 2023، تبلغ انبعاثات ثاني أكسيد الكربون في النقل بالسكك الحديدية الكهربائية 4–22 غراماً لكل طن/كم، مقارنة بـ 60–150 غراماً في النقل البري، كما يستهلك القطار طاقة أقل بنسبة تصل إلى 70% مقارنة بالشاحنات. وتُعد تجربة سنغافورة في الربط الحديدي الذكي التي تديرها هيئة النقل البري، ونظام القطارات الفائقة السرعة في ألمانيا الذي تنقل عبره شركة دويتشه بان أكثر من 2.6 مليار راكب سنوياً، وشبكة السكك الحديدية الهندية التي تنقل أكثر من 8 مليارات راكب سنوياً وفق تقرير وزارة السكك الحديدية الهندية 2024، نماذج لدول جعلت من السكة الحديد ذراعًا تنمويًا لا مرفقًا هامشيًا.

وفي السودان، تمتلك البلاد شبكة سكك حديدية بطول 4725 كيلومتراً من المسار الواحد، كانت تربط الخرطوم بمدن عطبرة ومدني وسنار والأبيض ونيالا وبورتسودان، وهي من أقدم وأكبر الشبكات في أفريقيا وفق تقرير الهيئة القومية للسكك الحديدية 2022. وقد أظهرت التجارب المحلية الحديثة كفاءة هذا القطاع، حيث تم نقل 20 ألف طن من الوقود والفيرنس من ميناء بورتسودان إلى محطة التوليد الحراري بالخرطوم بحري بموجب اتفاقية بقيمة 280 مليون جنيه، وهو ما يؤكد قدرة السكة الحديد على نقل السلع الاستراتيجية بكفاءة وتكلفة منخفضة حسب تقرير وزارة المالية والتخطيط الاقتصادي 2023. غير أن الإنتاج الحالي يشهد تراجعاً حاداً، حيث لم تتجاوز الكميات المنقولة بالقطارات 330 ألف طن خلال عام 2020، في وقت كان من الممكن أن ينقل القطار الواحد نحو 1600 طن مقارنة بأقل من 200 طن لخمس شاحنات مجتمعة وفق دراسة المركز القومي للدراسات والبحوث 2021. هذا التراجع كلف الاقتصاد السوداني خسائر تقدر بنحو 200 مليون دولار سنوياً نتيجة تلف البضائع وزيادة تكاليف النقل البري، وفق تقديرات خبراء مستقلين.

القطار والبيئة: نحو وطن نظيف بلا زحام ولا دخان

التحول نحو السكك الحديدية هو قرار بيئي قبل أن يكون اقتصاديًا. فوفقًا لدراسة EcoTransIT World الصادرة بالتعاون مع الوكالة الأوروبية للبيئة عام 2022، تساهم القطارات الكهربائية في خفض الانبعاثات الكربونية بنسبة تصل إلى 90% مقارنة بالشاحنات، كما تحد من التلوث الضوضائي بنسبة تصل إلى 50%. وقد أثبتت تجربة الإمارات في تشغيل قطار الاتحاد وفق تقرير الهيئة الاتحادية للمواصلات 2023 أن الربط بين المدن بالقطارات خفض الانبعاثات الكربونية بنسبة 21% في قطاع النقل، وساهم في حل مشكلة الزحام المروري بنسبة 30%. وعلى المستوى الوطني، فإن تفعيل السكة الحديد يمكن أن يسهم في خفض البصمة الكربونية لقطاع النقل بنسبة تصل إلى 25% بحلول 2035، حسب دراسة الجدوى البيئية التي أعدها المجلس الأعلى للبيئة والموارد الطبيعية بالتعاون مع برنامج الأمم المتحدة الإنمائي.

القطار والهوية الثقافية والاجتماعية

في السرد الإنساني، ارتبط القطار بالحنين، بالوطن، بالرحيل والعودة. وقد شكل القطار في السودان عبر الزمن جزءاً من الحياة اليومية ومعنى راسخاً للحركة والوصل داخل بلد واسع الامتداد. وقد وثق الباحث السوداني د. عبد الله علي إبراهيم في دراسته “الثقافة الشعبية والسكة حديد” (2018) كيف صاغ القطار إطاراً اجتماعياً كاملاً تُبنى داخله العلاقات وتتشكل فيه الذكريات. ومثّل في الأغنية السودانية رمزًا للانتظار والأمل، كما في أغنية “باب نفسك يا قطار للشاعر عبدالقادر تلودي و الفنان فضل المولى زنقار ، وارتبط في الوعي الجمعي بصورة الفجر القادم. وقد شهدت الفترة الأخيرة تشغيل قطارات لنقل العائدين السودانيين من مصر، حيث وصل عدد المستفيدين إلى أكثر من 41.8 ألف راكب عبر 43 رحلة حسب تقرير الهيئة القومية للسكك الحديدية لشهر يونيو 2024. هذه الرحلات أعادت للقطار مكانته كرمز للتواصل الاجتماعي والعودة إلى الوطن.

التخطيط الاستراتيجي والإدارة الذكية

وفقًا للرؤية القومية ربع القرنية، لا بد أن يُعاد النظر في إدارة النقل. وقد أعلنت الحكومة الانتقالية عن تخصيص 643 مليون دولار لتأهيل شبكة السكك الحديدية، مع اهتمام من بنك التنمية الأفريقي وشركة CSCEC الصينية وشركات خليجية بإعادة تأهيل نحو 2400 كيلومتر من الخطوط المعطلة حسب تقرير وزارة المالية والتخطيط الاقتصادي 2023. وتشمل الخطة الاستثمارية لقطاع النقل ثلاث مراحل: الأولى إصلاحات طارئة باستثمار 17 مليون دولار، والثانية إعادة ربط مدن مدني وكوستي وسنار ونيالا بخط مع جنوب السودان، والثالثة إنشاء خطوط دولية مع إثيوبيا وتشاد وإريتريا وأفريقيا الوسطى. ويتوقع أن تسهم هذه المشروعات في رفع مساهمة قطاع النقل في الناتج المحلي الإجمالي من 5.2% إلى 8.5% بحلول 2030، وفق دراسة الجدوى الاقتصادية لبنك التنمية الأفريقي.

القطار والتكامل الإقليمي والتنمية المتوازنة

يمثل الربط الحديدي مع الدول المجاورة فرصة استراتيجية للسودان لتعزيز موقعه كمركز لوجستي إقليمي. فخط بورتسودان – أديس أبابا الممول من بنك التنمية الأفريقي بقيمة 1.2 مليار دولار، والمقرر بدء تنفيذه 2026، سيرفع التبادل التجاري بين البلدين بنسبة 40% وفق دراسة الجدوى. كما أن خط بورتسودان – انجمينا عبر دارفور سيفتح أسواقاً جديدة أمام المنتجات السودانية في تشاد وأفريقيا الوسطى، ويخدم أكثر من 50 مليون فدان صالحة للزراعة في غرب السودان حسب تقديرات وزارة الزراعة 2023. كما سيسهم في تخفيف حدة الصراعات عبر تعزيز الاندماج الاقتصادي وتحسين الخدمات في المناطق الطرفية.

المعادلة الغائبة: الجمال الطبيعي والتنمية المتوازنة

عبر سهول أيرلندا، وغابات ماليزيا، ومدن أوروبا، لم يكن القطار مجرد وسيلة، بل نافذة للجمال. وقد أثبتت تجربة سويسرا في تشغيل “قطار البانوراما” أن العائد السياحي للسكك الحديدية يمكن أن يصل إلى 3 أضعاف العائد التشغيلي. وفي السودان، يمكن أن يصبح مسار نهر النيل بالقطار أحد أجمل مسارات السياحة العالمية، كما يمكن لخط جبال النوبة – كادوقلي أن يجذب آلاف السياح سنوياً. وقد أوصى تقرير المجلس القومي للسياحة 2023 بضرورة تضمين القطارات السياحية في الخطة الوطنية للسياحة المستدامة، لما لها من قدرة على تشغيل أكثر من 15 ألف فرصة عمل مباشرة وغير مباشرة.

توصيات للتنفيذ المرحلي

لتحويل هذه الرؤية إلى واقع ملموس، يمكن اقتراح حزمة توصيات عملية قابلة للتدرج، مع تحديد الأثر المتوقع لكل مرحلة:

أولاً: إجراءات قصيرة المدى (1–2 سنة)

إجراء مسح شامل لحالة البنية التحتية الحالية للسكة الحديد وتقييم أولويات التأهيل، بالاستفادة من التمويل المخصص للمرحلة الأولى البالغ 17 مليون دولار حسب تقرير وزارة المالية 2023. وإطلاق برنامج عاجل لتأهيل الخطوط الرئيسية ذات الجدوى الاقتصادية السريعة، مثل خط الخرطوم – عطبرة – بورتسودان الذي يبلغ طوله نحو 600 كيلومتر، لدعم حركة الصادرات والواردات، مع استهداف رفع كفاءة التشغيل إلى سرعة 60 كم/ساعة. وتطوير 5 محطات رئيسية كمراكز لوجستية متكاملة، على غرار محطتي عطبرة وبورتسودان التاريخيتين، بتكلفة تقديرية 8 ملايين دولار. وإصدار قانون استثمار السكك الحديدية الذي أعدته وزارة العدل بالتعاون مع غرفة التجارة والصناعة، ويتضمن إعفاءات جمركية وضريبية لمدة 10 سنوات للمستثمرين. وإطلاق حملة إعلامية وطنية بميزانية 2 مليون دولار لتعزيز ثقافة استخدام القطار، مستفيدة من المكانة الرمزية للقطار في الذاكرة الثقافية السودانية.

ثانياً: إجراءات متوسطة المدى (3–5 سنوات)

إنشاء هيئة وطنية مستقلة للنقل متعدد الوسائط تتولى التخطيط الاستراتيجي والتنسيق بين مختلف وسائل النقل، مع تبني معايير كفاءة الطاقة والانبعاثات المعتمدة دولياً من قبل الوكالة الدولية للطاقة. وتطوير شبكة الخطوط الحديدية لربط مراكز الإنتاج الزراعي والصناعي والتعديني بالموانئ والمعابر الحدودية، بالتركيز على إعادة تأهيل الخطوط المتجهة إلى غرب السودان ودارفور. وإدخال تقنيات حديثة في إدارة حركة القطارات وأنظمة الإشارات والاتصالات، باستثمار 150 مليون دولار، لرفع معدلات السلامة والكفاءة وتقليل زمن الرحلات بنسبة 40%. وتأهيل 5 آلاف كادر وطني عبر برامج تدريبية متخصصة بالتعاون مع دول رائدة مثل ألمانيا والصين، بتكلفة 20 مليون دولار. وإطلاق مشروعين تجريبيين للقطارات السياحية في مسار نهر النيل ومسار جبال النوبة، بهدف جذب 100 ألف سائح سنوياً بحلول 2028.

ثالثاً: إجراءات طويلة المدى (5–10 سنوات)

استكمال شبكة وطنية متكاملة للسكك الحديدية تربط جميع أقاليم السودان ببعضها وبالدول المجاورة، باستثمار إجمالي 4 مليارات دولار، تشمل الخط المقترح من بورتسودان عبر دارفور إلى تشاد بطول 1800 كيلومتر، وخط بورتسودان – أديس أبابا بطول 1500 كيلومتر. والتحول التدريجي نحو استخدام الطاقة الكهربائية والشمسية في تشغيل القطارات، بما يحقق خفض الانبعاثات إلى مستوى 10 غرام/طن كم بحلول 2035. ودمج السكة الحديد في منظومة النقل الحضري الذكي بالمدن الكبرى، عبر إنشاء خطوط ضواحي بطول 300 كيلومتر تربط الخرطوم بمدنها الجديدة. وإنشاء 3 متاحف للسكة الحديد ومراكز ثقافية في المحطات التاريخية بعطبرة وبورتسودان والأبيض، بتكلفة 15 مليون دولار. وتعزيز التعاون الإقليمي والدولي عبر الانضمام إلى مبادرة الاتحاد الأفريقي للربط الحديدي القاري، والتي تهدف إلى ربط 54 دولة أفريقية بشبكة سكك حديدية موحدة بحلول 2040.

السكة الحديد ضرورة اقتصادية وبيئية واجتماعية وهوياتية. إعادة تفعيلها هو مشروع إحياء وطني متكامل، يتطلب إرادة سياسية وشراكة مؤسسية وتخطيطاً علمياً. التجارب الدولية والمرجعيات الوطنية تؤكد أن الاستثمار في السكك الحديدية يحقق عائداً اقتصادياً يصل إلى 15% سنوياً، ويخلق آلاف الوظائف، ويسهم في تحقيق التنمية المستدامة. المطلوب الآن: البدء الفوري بالمرحلة العاجلة، وتعبئة التمويل اللازم، وبناء شراكات استراتيجية مع القطاع الخاص والدولي. فالقطار ليس مجرد وسيلة نقل، بل مشروع وطن يعيد للبلاد نبضها ووحدتها وهويتها.

leader

صحيفة الكترونية تهتم بالشأن السوداني

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى