مقالات

الخرطوم بعد الحرب: كيف نقرأ الظواهر الاجتماعية دون ذعر؟

بقلم : د. الشاذلي عبد اللطيف

الخرطوم بعد الحرب: كيف نقرأ الظواهر الاجتماعية دون ذعر؟

في أوقات الأزمات تميل المجتمعات إلى تفسير الظواهر الجديدة بالخوف أو بنظريات المؤامرة. لكن القراءة الهادئة للواقع تظل أكثر فائدة من الانجراف وراء الهلع. هذه محاولة لقراءة ظاهرة التسول في العاصمة بعد الحرب من زاوية اجتماعية وأمنية متوازنة.

في المدن الخارجة من الحروب، لا تعود الشوارع مجرد طرق للعبور، بل تتحول إلى مرآة تعكس ما جرى للمجتمع من تغيرات عميقة. فالحرب لا تترك آثارها في الجبهات وحدها، بل تمتد إلى تفاصيل الحياة اليومية، حيث تظهر تحولات اجتماعية واقتصادية تحتاج إلى قراءة هادئة وعقلانية.

تابعتُ كثيراً من الكُتّاب في الأيام الماضية وهم يتحدثون عن ما سُمّي بـ”التسول المريب” في شوارع الخرطوم وأم درمان وبحري. وقد لاحظت أن عدداً من هذه الكتابات ينطلق بسرعة نحو تفسير واحد جاهز: المؤامرة.

لكن التجربة الإنسانية تقول إن المجتمعات الخارجة من الحروب غالباً ما تبحث عن تفسير بسيط لواقع شديد التعقيد. وعندما تتراكم الصدمات والخوف، يصبح من السهل تفسير كل ظاهرة غير مألوفة باعتبارها جزءاً من مخطط خفي.

غير أن الخرطوم اليوم ليست مدينة تعيش ظروفاً عادية. إنها مدينة خرجت من قلب حرب مدمرة، وما زالت تحمل آثارها الثقيلة في الاقتصاد والمجتمع وحياة الناس اليومية.

الحقيقة التي لا يمكن إنكارها هي أن السودان يعيش واحدة من أكبر موجات النزوح والفقر في تاريخه الحديث. ملايين المواطنين فقدوا بيوتهم أو مصادر رزقهم، واضطروا إلى التنقل بين المدن بحثاً عن الأمان أو عن وسيلة للبقاء. وفي مثل هذه الظروف تظهر ظواهر اجتماعية قاسية، من بينها التسول، الذي يصبح بالنسبة لبعض الأسر آخر الخيارات المتاحة.

لهذا فإن تحويل كل متسول في الشارع إلى عنصر مشبوه أو جزء من مخطط أمني ليس تحليلاً موضوعياً بقدر ما هو انعكاس لحالة القلق الجماعي التي يعيشها المجتمع بعد الحرب.

لقد شهدت مدن كثيرة في العالم مثل هذه الظواهر بعد الحروب والأزمات الكبرى. فالفقر والنزوح والاقتصاد غير المنظم ليست علامات مؤامرة بقدر ما هي نتائج طبيعية لانهيار مؤقت في بنية الاقتصاد والحياة الاجتماعية.

كما أن المدن التي تمر بمرحلة التعافي من الحروب غالباً ما تشهد تحولات في أنماط العمل والهجرة الداخلية، حيث يتحرك الناس بحثاً عن فرص جديدة أو عن حد أدنى من الاستقرار. وهذه التحركات الاجتماعية قد تبدو أحياناً غير مألوفة، لكنها جزء من عملية إعادة التوازن التي يمر بها المجتمع بعد الصدمات الكبرى.

ومن الخطير أن يتحول هذا الواقع الإنساني إلى خطاب يزرع الشك في أضعف فئات المجتمع. فالنازح الذي فقد منزله ليس خصماً، والطفل الذي يطلب مساعدة عند الإشارة غالباً ما يكون ضحية ظروف قاسية لم يخترها.

ومع ذلك، فإن التفكير المتوازن لا يعني إهمال البعد الأمني. فالدولة مسؤولة عن حماية المجتمع كما هي مسؤولة عن حماية الفئات الضعيفة داخله. ولهذا فإن المقاربة الأكثر حكمة تكمن في الجمع بين الحس الإنساني واليقظة المؤسسية.

وهنا يبرز مفهوم الأمن الوقائي باعتباره مقاربة عقلانية لإدارة مثل هذه الظواهر. فالأمن الوقائي يقوم على المتابعة المنظمة والحصر الميداني ومعرفة الهويات ومراقبة أي شبكات قد تستغل الفقر أو النزوح لأغراض غير قانونية، دون تعميم الاتهام أو تحويل المعاناة الإنسانية إلى شبهة.

إن الطريق الأكثر توازناً هو يقظة هادئة تراقب وتنظم وتحمي، دون أن تزرع الخوف أو الريبة بين الناس.

فالمدن الخارجة من الحروب تمر بلحظات اختبار صعبة، حيث تختلط المخاوف بالوقائع، وتعلو الأصوات التي تفسر كل شيء بالظنون. لكن الخرطوم لا تحتاج إلى مزيد من الهلع، بل إلى أمن وقائي يقظ يراقب بهدوء وينظم بحكمة ويحمي المجتمع دون أن يفقد إنسانيته.

فالمدن التي تنجح في حماية أمنها مع الحفاظ على كرامة الإنسان هي المدن التي تعرف طريقها الحقيقي نحو التعافي.

leader

صحيفة الكترونية تهتم بالشأن السوداني

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى