
وبالنجم هم يهتدون
• حكاية أبو الدرداق، الجعران أو خنفساء الروث، مع القمر معروفة للجميع.
• في الأساطير القديمة تقول الحكاية إن هذا الكائن الصغير، حين يدحرج كرة الروث أمامه، فهو يحاكي الآلهة وهي تدحرج الشمس والقمر في السماء.
• وفي الخيال الشعبي قيل إنه حين وقع في حب القمر، عزم على تنظيف الأرض من القاذورات تقرباً إليه.
• قد تبدو هذه الحكايات مجرد خيالات شعبية، لكنها في الحقيقة تقوم على ملاحظة دقيقة.
• فقد لوحظ منذ القدم أن خنافس الروث تنشط غالباً ليلاً، وأنها تتحرك في خطوط مستقيمة حتى في عتمة الليل.
• وكان السؤال الذي حيّر الأقدمين: كيف يستطيع كائن صغير كهذا أن يحافظ على اتجاه ثابت في الظلام؟
• مؤخرا، وبالتحديد عام 2013 أجريت في جنوب أفريقيا تجربة لاختبار هذا الحدس القديم.
• وُضعت الخنافس داخل قبة تمثل سماء اصطناعية عُرضت عليها صورة لمجرتنا درب التبانة، فواصلت الخنافس السير في خطوط مستقيمة كما تفعل في الطبيعة.
• لكن عندما حُجبت عنها صورة السماء باطفاء الانوار او بوضع خوذات ورقية صغيرة على رؤوسها، فقدت اتجاهها وبدأت تدور حول نفسها بلا نظام.
• خلاصة التجربة أن الجعران يستخدم الضوء الباهتة القادم من المجرة مرجعاً بصرياً لتحديد اتجاهاته، حتى حين يغيب القمر.
• وهكذا تتكشف المفارقة: كائن صغير يقرأ من على الارض،خريطة النجوم ليهتدي بها في مسيره الليلي.
• هذه المفارقة تفتح باباً لتأمل أوسع في علاقة الكائنات بالكون.
• ففي القرن التاسع عشر أشار مؤرخ العلوم البريطاني وليم ويول إلى فكرة لافتة حين قال إن طول اليوم على الأرض يبدو ملائماً لطبيعة الإنسان البيولوجية.
• فلو كان اليوم أقصر بكثير أو أطول بكثير لكان غير ملائم لتركيبنا الحيوي.
• وفي عام 1973 طرح الفيزيائي الأسترالي براندون كارتر فكرة قريبة عُرفت لاحقاً باسم المبدأ الإنساني.
• ومفادها أننا نرى الكون بالشكل الذي هو عليه لأن هذا الشكل هو الوحيد الذي يسمح بوجودنا. فلو اختلفت بعض الثوابت الفيزيائية قليلاً — مثل قوة الجاذبية — لما تشكلت العناصر الضرورية لحياتنا.
• لكن على الرغم من جاذبية هذه الفكرة، فلسفياً، إلا أنها أثارت انتقادات عميقة، إذ رأى بعضهم أنها تعكس قدراً من المركزية البشرية.
• وكأن الكون الهائل بكل مجراته ونجومه وكواكبه قد ضُبط خصيصاً ليتوافق مع وجود الإنسان.
• غير أن هذا الاعتراض يفتح سؤالاً أوسع: هل الإنسان وحده من يهتدي بإشارات السماء، أم أن مخلوقات أخرى تشاركه هذه القدرة بطريقتها الخاصة؟
• يقول المفسرون، في تفسير قوله تعالى: ﴿وَعَلَامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ﴾، إن الناس يهتدون بالنجوم في أسفارهم ليلاً.
• غير أن دلالة الآية تبدو أوسع من ذلك؛ فأبو الدرداق، وهو يدحرج كرته الصغيرة في ظلمة الليل، يبدو واحداً من تلك المخلوقات التي تقرأ العلامات المكتوبة في السماء.
• فالآية تشير إلى نظام كوني من العلامات تهتدي به المخلوقات في حركتها عبر الأرض والسماء.
جمعة مباركة





