
وزارة البيئة… الغائبة الحاضرة
• تُنسب إلى الإمام علي بن أبي طالب مقولة بليغة:
“أولو استوت قدماي من هذه المداحض لغيّرت أشياء”، وفي رواية أخرى: “أولو ثُنِّيت لي الوسادة لغيّرت أشياء”.
• وفي العبارة إشارة عميقة إلى أن الإصلاح لا يقوم على حسن النية أو وضوح الرؤية وحدهما، بل يحتاج أيضاً إلى أرضٍ ثابتة يقف عليها الحاكم.
• وهو ما لم يتوفر للإمام في زمن خلافته إذ أحاطت به الفتن والمزالق من كل جانب؛ من الجمل إلى صفين ثم الخوارج.
• بهذا المعنى، يمكن النظر إلى حال السودان اليوم في عهد حكومة الأمل برئاسة كامل إدريس.
• تسلّم الرجل مهام رئاسة الوزراء في ظرف بالغ التعقيد تتقاطع فيه التحديات الأمنية مع الأزمات السياسية والاقتصادية المتراكمة.
• مشكلة السودان عبر تاريخه الحديث لم تكن في ندرة الأفكار أو البرامج، بقدر ما كانت في غياب الاستقرار الذي يسمح بتحويلها إلى واقع.
• غير أن مراعاة صعوبة الظرف لا تعني إغفال جوانب القصور.
• ومن بين المسائل الأكثر إثارة للتساؤل حتى الآن، تأخر تفعيل وزارة البيئة، رغم مرور وقت معتبر على تشكيل حكومة الأمل.
• التأخير هنا محير، خاصة في بلد تتقاطع فيه قضايا البيئة مع حياة الناس اليومية وأمنهم واستقرارهم.
• وربما يعكس هذا طبيعة الأولويات التي فرضتها ظروف الحرب، حيث تتقدم الملفات الأمنية والاقتصادية على غيرها، حتى لو كان ذلك على حساب قضايا استراتيجية مثل البيئة.
• في 19 مايو 2025 تقلد كامل إدريس مهام الوزارة، وشكّل حكومته (حكومة الأمل) في 19 يونيو 2025، والت ظهرت فيها وزارة البيئة من بين 22 وزارة مثلت هيكل الحكومة الوزاري.
• ثم جاء في 20 أكتوبر 2025 قرار مجلس الوزراء رقم (170) محدداً مهام الوزارة ومجالسها المختلفة: المجلس الأعلى للبيئة، مجلس التصحر، ومجلس السلامة الحيوية.
• إلا أن الوزارة، حتى الآن، ما تزال أقرب إلى فكرة في الوثائق منها إلى مؤسسة على الأرض.
• الاسم موجود، لكن ما يتبعه من تعيينات وهياكل وتنفيذ لم يُفصل بعد.
• وهكذا أصبحت وزارة البيئة مثالاً حاضراً في النصوص، غائباً في الواقع.
• هذا الغياب ليس مجرد فراغ إداري، بل رسالة واضحة عن المصداقية والاهتمام.
• إعلان الوزارة يعطي إيحاءً رمزيًا بالاعتراف بأهميتها، لكن تأخر تفعيلها يترك أثرًا سلبيًا، ويشير، ولو بغير قصد، إلى أن قضايا البيئة يمكن تأجيلها أو وضعها في مرتبة منخفضة من سلم الأولويات.
• كما قيل: “لا خير في قول ليس تحته عمل”، فالوزارة بلا نشاط ليست سوى عنوان على الورق، بينما التحديات البيئية تهدد استقرار المجتمعات.
• وجود وزارة للبيئة ليس ترفاً مؤسسياً، بل ضرورة عملية.
• فهي الجهة التي تنسق بين القطاعات المتداخلة مع البيئة—كالزراعة والطاقة والتعدين—وتتولى تمثيل الدولة في الاتفاقيات البيئية الدولية.
• وهي الآلية التي تجعل حماية الطبيعة سياسة دولة، لا مجرد مبادرات متفرقة أو جهود موسمية.
• لذلك فإن تفعيلها ليس مسألة شكلية، بل خطوة أساسية نحو إدارة رشيدة للموارد التي تقوم عليها حياة الناس ومستقبل البلاد.
• وعلى أقل تقدير، حتى لا يصدق علينا القول بأننا نحن السودانيين نجيد صناعة القول أكثر مما نجيد صناعة الفعل.
• الفكرة تولد بسهولة، لكن الطريق من القول إلى العمل يطول أكثر مما ينبغي.
• في غياب العمل، تظل التحديات البيئية تهدد استقرار المجتمعات ومستقبل التنمية.
• الأوطان لا يحفظها الكلام… بل العمل.
تضرعاتي بحسن الخلاص؛ وتقديري العميق.







