مقالات

في وداع عثمان الهادي إبراهيم

بقلم : د. عبد العظيم ميرغني

في وداع عثمان الهادي إبراهيم

رحم الله عثمان الهادي إبراهيم رحمةً واسعة، وجعل ما قدّم في ميزان حسناته، وألهم أهله وذويه ومحبيه الصبر وحسن العزاء.

كان من أولئك الرجال الذين عبروا بين دهاليز الاقتصاد ومكاتب الحكم وحقول الزراعة والغابات بخطى ثابتة وإرادة لا تلين.

لم يكن زراعياً بالمعنى الأكاديمي، لكنه كان اقتصادياً واعياً بلغة الأرقام والمصالح، يُحسن الإصغاء لأهل الاختصاص حين تتقاطع السياسات مع الموارد الطبيعية، ويقدّر وزن الرأي الفني في صناعة القرار.

تولّى وزارة الزراعة والغابات في مارس 1999م وزيراً رقم (22) في سلسلة وزراء الزراعة منذ الاستقلال.

ورغم أن فترته لم تتجاوز عشرة أشهر، فإنها حملت مواقف ذات دلالة كشفت عن حسّه بالمسؤولية العامة وحرصه على الموازنة بين مقتضيات الاقتصاد وصون الموارد.

ومن المواقف التي كشفت عن روحه المسؤولة أنه تعامل، في أوائل فترة توليه، مع مقترح اقتصادي كان مطروحاً آنذاك بشأن تحويل بعض غابات السنط النيلية إلى جنائن موز لتعظيم عائد الصادر.

وقد استند النظر في ذلك المقترح إلى اعتبارات اقتصادية مشروعة في سياقها الزمني، غير أن ما تكشّف لاحقاً من أبعاد بيئية واجتماعية محتملة دفعه إلى إعادة التقدير بروح مسؤولة.

فآثر المصلحة العامة دون تردد، مقدّماً واجب الحماية وصون المورد على أي اعتبار آخر، في موقف يعكس شجاعة المراجعة ونبل تحمّل المسؤولية.

وقد أسهمت تلك التجربة في ترسيخ مبدأ مؤسسي لاحق، حين نصّ قانون الغابات لسنة 2002م – الذي أجيز بعد تلك المرحلة – على أن يكون إلغاء حجز الغابات المحجوزة أو تحويل غرضها من اختصاص رئيس الجمهورية بناءً على توصية مجلس الوزراء مجتمعاً، توسيعاً لدائرة التشاور وصوناً للقرار من التعجل، بما يعزز الحوكمة الرشيدة في إدارة الموارد الطبيعية.

وفي ملف آخر، سُمح بتصدير كوتة سنوية لا تتجاوز عشرة آلاف طن من فحم الطلح المنتج من نظافات المشاريع الزراعية، مع منع تصدير الفحم من الغابات الطبيعية وفرض رسم على الجوال لصالح إعادة الاستزراع.

وقد استند هذا التوجه إلى تقدير اقتصادي يرمي إلى توظيف عائد الصادر وما يوفره من فرص عمل في دعم إعادة إعمار المساحات الشجرية، بحيث تتحقق معادلة متوازنة بين الاستفادة الاقتصادية وصون المورد.

ولم تكن القضية تجارية بحتة، بل كانت محاولة واضحة لإدخال مفهوم الإدارة المستدامة في القرار التنفيذي ومنع إهدار المخلفات بالحرق دون عائد.

أما حين كان وزيراً للتجارة في تسعينيات القرن الماضي، فقد برزت رؤيته الاقتصادية في ملف الصمغ العربي، إذ دفع آنذاك إلى استثناء الشركات التي تستثمر خمسة ملايين دولار فأكثر في تصنيع الصمغ، أو تستزرع خمسين ألف فدان فأكثر من الأشجار المنتجة له، من قانون الامتياز الذي كان يقصر التصدير على شركة الامتياز.

وتأسيساً على ذلك، انفتح المجال منذ منتصف التسعينيات أمام أكثر من ثلاثين شركة لتصنيع الصمغ العربي وبعض الشركات لاستزراعه، في تحول أعاد تشكيل القطاع ووسّع دائرة المشاركة فيه.

وخارج العمل الوزاري، شغل منصب والي ولاية شمال كردفان، وتولى إدارة شركة شيكان للتأمين، وأسهم في تطوير صناعة التأمين والتأمين الإسلامي داخل السودان وخارجه، جامعاً بين الخبرة التنفيذية والرؤية الاقتصادية.

كما كان من قيادات اتحاد طلاب جامعة الخرطوم في سبعينيات القرن الماضي، وهي تجربة مبكرة عكست اهتمامه المبكر بالشأن العام.

لم يكن متردداً؛ كان حازماً حين يلزم الحزم، ومرناً حين تقتضي الحكمة المراجعة.

جمع بين القرار والإنصات، وبين الحسابات الاقتصادية وحساسية الموارد الطبيعية، وظل حريصاً على أن يكون اجتهاده في إطار ما يراه أقرب إلى المصلحة العامة.

برحيله في مارس 2026م بالقاهرة، تفقد الساحة الإدارية والاقتصادية في السودان اسماً ترك أثره في التجارة والتأمين والزراعة والغابات، ورجلاً عُرف بتحمّل المسؤولية، وشجاعة المراجعة، والانحياز لما يراه حقاً للصالح العام.

نسأل الله أن يتقبله بقبول حسن، وأن يجزيه عن جهده وعمله خير الجزاء، وأن يلهم أسرته الكريمة ورفاق دربه ومحبيه جميل الصبر والسلوان.

وفاءً لرجلٍ عرفتُه في دروب الغابات

leader

صحيفة الكترونية تهتم بالشأن السوداني

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى