الإدارة الرشيدة للموارد: الثروة الحيوانية قاعدة صلبة لصناعة وطنية متكاملة
بقلم : د. محمد صلاح علي الفكي

الإدارة الرشيدة للموارد: الثروة الحيوانية قاعدة صلبة لصناعة وطنية متكاملة
رؤية استراتيجية: من بيع الحيوان حيًا إلى صناعة اللحوم ومشتقاتها
ثروتنا الحيوانية: من ثقافة الاستفادة الكاملة إلى صناعة استراتيجية متكاملة
يُعد السودان من أكثر متكاملة ٧دان تميزًا في الثروة الحيوانية، إذ يمتلك قطيعًا يقدر وفق تقديرات رسمية حديثة بحوالي 108–110 ملايين رأس من الأبقار والأغنام والماعز والإبل، تسهم بنحو 20–25% من الناتج المحلي الإجمالي وأكثر من 30% من الصادرات غير البترولية. غير أن التميز الحقيقي لا يكمن في الأعداد فحسب، بل في ثقافة راسخة من الاستفادة الكاملة للحيوان بعد الذبح.
فعبر التاريخ، تعامل السودانيون مع الذبيحة باعتبارها وحدة إنتاجية متكاملة، فاستثمروا لحمها وجلدها وعظامها وأمعاءها وشحومها في الغذاء والكساء والأدوات المنزلية. ومن مظاهر هذه العبقرية الاقتصادية التقليدية صناعة القِرَب لتبريد المياه وحفظ اللين الرائب، وصناعة السيور الجلدية لربط الأحمال وأدوات الزراعة والرحيل، في تجسيد عملي للاستدامة والاقتصاد الدائري قبل صياغة نظرياته الحديثة.
وفي المطبخ السوداني، تتجلى هذه الفلسفة بوضوح. فالكمونية والجقاجق أطباق شعبية تُعد من الأمعاء والمصارين والقلب والرئة والكبد والحجاب الحاجز، وتمثل جزءًا من الهوية الغذائية في الأعياد والمناسبات. وتُستهلك بعض الأجزاء نيئة وفق عادات متوارثة: كبد الإبل والماعز والضان مع البصل والليمون، والرئة والمعدة مع البصل والشطة في طبق المرارة، وأجزاء رهيفة من معدة البقر تعرف بأم فتفت تؤكل نيئة أو مع زبدة الفول السوداني والشطة. وتُصنع من الأرجل شوربة الكوارع الغنية، وتُستخرج الشحوم زيوتًا للطهي والعناية بالشعر أو تدخل في تركيب الكركار، فيما يُؤكل الشحم الناضج المختلط باللحم في طعام الربيت ذي القيمة الطاقية العالية.
هذه الممارسات ليست عادات غذائية فحسب، بل اقتصاد منزلي متكامل وأسلوب حياة يقوم على عدم إهدار أي مورد، ويمثل نموذجًا أوليًا للاقتصاد الدائري والإدارة الرشيدة للموارد.
صناعة اللحوم: من الذبيحة إلى القيمة المضافة
غير أن القيمة الحقيقية للثروة الحيوانية تتجاوز الاستهلاك التقليدي إلى آفاق صناعية واستراتيجية كبرى، تبدأ من صناعة اللحوم بوصفها القلب النابض لهذا التحول. فالانتقال من تصدير أكثر من 95% من الأنعام حية إلى تصدير لحوم مصنعة ومبردة يعني الاحتفاظ بفرص العمل والقيمة المضافة داخل البلاد، وفق ما نصت عليه الاستراتيجية القومية ربع القرنية 2007–2031م، وما أكدته لاحقًا الاستراتيجية الخمسية للتعافي 2025–2030م.
أولًا: مرحلة ما قبل الذبح
تبدأ الصناعة من الإدارة الرشيدة للمراعي، وتحسين السلالات عبر التلقيح الاصطناعي ونقل الأجنة، وتوفير الرعاية البيطرية، وتطوير نظم التغذية، وإنشاء أسواق مركزية ومسالخ نموذجية مرتبطة بشبكات نقل حيوي حديث.
ثانيًا: المسالخ الحديثة
تُعد المسالخ الحديثة نقطة التحول الحقيقية، وهي أولوية في خطة تطوير 40 مشروعًا حيويًا بالقطاع وفق وزارة الثروة الحيوانية، فهي:
· مرافق ذبح صحية تطبق أعلى معايير السلامة والجودة.
· وحدات تبريد وتجميد تحفظ اللحوم وتحافظ على صلاحيتها.
· خطوط تقطيع وتعبئة تتيح إنتاج قطع مخصصة للأسواق المختلفة.
· أنظمة فرز وتصنيف تضبط الجودة وتعزز القدرة التنافسية.
ثالثًا: التصنيع اللحمي والتسويق
يمثل التصنيع اللحمي المرحلة الأعلى قيمة، ويشمل:
· اللحوم المبردة والمجمدة: ذبائح كاملة، أنصاف، أرباع، قطع مجزأة.
· اللحوم المصنعة: برجر، نقانق، لحم مفروم، بروبيسيد، مرتديلا، معلبات.
· المنتجات سريعة التحضير والوجبات الجاهزة.
· المنتجات العضوية والتخصصية الخالية من الهرمونات، لتلبية متطلبات الأسواق الأوروبية والخليجية والآسيوية، خاصة معايير الحلال الدولية وشهادات الآيزو والحسب التي تفتح نافذة واسعة أمام الصادرات السودانية.
رابعًا: الاستفادة من المخلفات
تمثل المخلفات ثروة موازية، وتشمل:
· الجلود: مدابغ حديثة لإنتاج منتجات فاخرة وأحزمة وسيور.
· العظام: جيلاتين، علف حيواني، أسمدة عضوية، كربونات الكالسيوم.
· الأمعاء والمصارين: أغلفة طبيعية للسجق، وخيوط جراحية.
· الدم: أعلاف، أسمدة، منتجات غذائية متخصصة.
· الشحوم: زيوت صناعية، صابون، شحوم تشحيم، منتجات غذائية.
· القرون والحوافر: أسمدة، منتجات حرفية.
وتتوزع المسؤولية المؤسسية لهذا التحول بين البنك الزراعي السوداني لتمويل سلاسل القيمة، وهيئة المواصفات والمقاييس لضبط الجودة، ووزارة الثروة الحيوانية للتخطيط والرقابة، في إطار شراكة وطنية فاعلة. وتخطط الوزارة لإنشاء مستودعات مبردة في عطبرة وبورتسودان لضمان جودة الصادرات.
بعد استراتيجي: الأسواق الخارجية والميزة التنافسية
يتمتع السودان بموقع جغرافي قريب من أسواق رئيسية، وعلى رأسها السعودية ومصر ودول الخليج، إضافة إلى عضويته في الكوميسا. وتشهد هذه الأسواق طلبًا متزايدًا على اللحوم الحلال ومنتجاتها. غير أن تحقيق هذه الفرصة يتطلب تلبية متطلبات الجودة والصحة النباتية والحيوانية، والالتزام بمعايير الحلال الدولية، وتكثيف حملات مكافحة الأمراض العابرة للحدود التي تشكل عائقًا رئيسيًا أمام النفاذ للأسواق العالمية.
بعد الحوكمة وتنظيم السوق
يمثل تنظيم صادر الماشية تحديًا حوكميًا ملحًا. ويتطلب التحول الصناعي إصلاحًا تنظيميًا جريئًا: تبسيط إجراءات التصدير، مكافحة الاحتكار، القضاء على الوسطاء غير المنظمين، وتوحيد جهات الرقابة تحت مظلة هيئة عليا لتنظيم الصادر. كما نص بنك السودان المركزي على اعتماد طرق دفع مقدم أو اعتمادات مستندية لضمان استرداد حصائل الصادرات.
بعد المخاطر واستدامة التحول
لا يمكن بناء رؤية استراتيجية دون استشراف المخاطر. أبرزها: استمرار النزاعات المسلحة في مناطق الإنتاج الرئيسية التي تتركز بها نحو 60% من الثروة الحيوانية، وما تسببه من نفوق ونهب وتدمير للبنى التحتية، إذ تشير تقديرات إلى خسارة السودان أكثر من مليار دولار من صادرات الماشية خلال النصف الأول من 2025. ثم مخاطر الأمراض العابرة للحدود، التي تهدد سمعة الصادرات وتغلق الأسواق. وتضاف إليها مخاطر تقلبات الأسعار العالمية، وهشاشة سلاسل الإمداد، وتدهور المراعي نتيجة التغيرات المناخية. مواجهة هذه المخاطر تتطلب تحصين القطيع باللقاحات، وتأهيل البنى التحتية البيطرية، وتنويع أسواق التصدير.
بعد الأمن الغذائي الداخلي
يظل تحقيق التوازن بين تنمية الصادرات وتأمين احتياجات السوق المحلي ركيزة أساسية. ففي الوقت الذي تسعى فيه الوزارة لفتح أسواق خارجية، تعمل على إنشاء أسواق المزارعين والمربين لبيع المنتجات مباشرة دون وسطاء، لتوفير اللحوم والألبان بأسعار مناسبة. كما تستهدف مشاريع تحسين السلالات ورفع الإنتاجية، حيث يبلغ إنتاج البقرة السودانية 6–7 أرطال لبن فقط مقابل 100 رطل للبقرة الأوروبية، ما يسهم في خفض الأسعار وتحقيق الأمن الغذائي.
توصيات لتطوير القطاع
أولًا: التوسع في إنشاء مسالخ حديثة مطابقة للمواصفات الدولية، وربطها بشبكات نقل مبردة تغطي مناطق الإنتاج الحيواني، واستكمال مستودعات التبريد في الموانئ والمراكز اللوجستية.
ثانيًا: الالتزام التدريجي بسياسة تقليل تصدير الأنعام حية من 95% إلى 50% خلال خمس سنوات، وتعزيز صادرات اللحوم المصنعة والمبردة والمجمدة بهدف رفع نسبة اللحوم المصنعة من إجمالي الصادرات الحيوانية إلى 30% خلال الفترة نفسها.
ثالثًا: تحديث المدابغ وتطوير صناعة الجلود بتقنيات صديقة للبيئة، وتحسين جودة المنتج النهائي لاستعادة سمعة الجلود السودانية عالميًا.
رابعًا: إنشاء مجمعات صناعية متكاملة للحوم تضم التصنيع والتعليب والتبريد والتجميد ووحدات الاستفادة من المخلفات.
خامسًا: الاستثمار في تدريب وتأهيل الكوادر الفنية في التفتيش البيطري وسلامة الغذاء وتكنولوجيا التصنيع اللحمي، وتطوير التعاون مع المنظمات الدولية والجامعات.
سادسًا: دعم البحث العلمي في تقنيات تحويل المخلفات إلى أعلاف وأسمدة وطاقة حيوية ومنتجات صناعية، وإجراء التعداد الشامل للثروة الحيوانية بالتعاون مع منظمة الفاو.
سابعًا: تحفيز الشراكات بين القطاعين العام والخاص، وتهيئة بيئة استثمارية جاذبة لرؤوس الأموال الخليجية والإقليمية، مع إصلاح حوكمة الصادر وكسر أنماط الاحتكار.
ثامنًا: تكثيف حملات التحصين ومكافحة الأمراض العابرة للحدود، وإنشاء مصنع وطني للقاحات البيطرية، وتأهيل المحاجر البيطرية.
تاسعًا: تحقيق توازن استراتيجي بين تنمية الصادرات وتلبية احتياجات السوق المحلي بأسعار عادلة، عبر تنظيم سلاسل الإمداد الداخلي.
إن الثروة الحيوانية في السودان ليست مجرد مورد طبيعي، بل قاعدة صلبة لصناعة وطنية متكاملة. وما أبدعه السودانيون بالفطرة في استثمار كل جزء من الذبيحة يمكن تحويله إلى نموذج صناعي حديث قائم على المعرفة، يعظم القيمة، ويوسع فرص العمل، ويحقق الأمن الغذائي، ويعزز السيادة الاقتصادية. غير أن هذا التحول لا يتحقق بمعزل عن إصلاح مؤسسي وحوكمة رشيدة واستشراف جاد للمخاطر.
والسودان، بثروته الحيوانية الهائلة وخبرته المجتمعية المتراكمة ورصيده الاستراتيجي الواعد، قادر على الانتقال من اقتصاد بيع الحيوان إلى اقتصاد صناعة اللحوم ومشتقاتها، ومن تصدير المادة الخام إلى تصدير القيمة المضافة والمعرفة التطبيقية. فمن أحسن إدارة موارده أحسن صياغة مستقبله.
تبدأ الاستراتيجية الحقيقية حين نفهم ما نملك، ثم نحوله إلى قوة منتجة، ثم نبني به ما نستحق من تنمية وسيادة.







